فصل: تفسير الآيات رقم (103- 105)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏88- 89‏]‏

‏{‏وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ ‏(‏88‏)‏ لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ‏(‏89‏)‏‏}‏

‏{‏كلوا‏}‏ في هذه الآية عبارة عن تمتعوا بالأكل والشرب واللباس والركوب‏.‏ ونحو ذلك، وخص الأكل بالذكر لأنه عظم المقصود وأخص الانتفاعات بالإنسان، والرزق عند أهل السنة ما صح الانتفاع به، وقالت المعتزلة‏:‏ الرزق كل ما صح تملكه والحرام ليس برزقه لأنه لا يصح تملكه‏.‏ ويرد عليهم بأنه يلزمهم أن آكل الحرام ليس بمرزوق من الله تعالى وقد خرج بعض النبلاء أن الحرام رزق من قوله تعالى ‏{‏كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور‏}‏ ‏[‏سبأ‏:‏ 15‏]‏ قال فذكر المغفرة مشيراً إلى أن الرزق قد يكون فيه حرام ورد أبو المعالي في الإرشاد على المعتزلة مشيراً إلى أن الرزق ما تملك يلزمهم أن ما ملك فهو الرزق، وملك الله تعالى الأشياء لا يصح أن يقال فيه إنه رزق له‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا الذي ألزم غير لازم، فتأمله، وباقي الآية بين‏.‏

وقد تقدم القول في سورة البقرة في نظير قوله تعالى ‏{‏لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم‏}‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بما عقدتم‏}‏ معناه شددتم، وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو «عقّدتم» مشددة القاف، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر وحمزة والكسائي «عقَدتم» خفيفة القاف، وقرأ ابن عامر «عاقدتم» بألف على وزن فاعلتم، قال أبو علي من شدد القاف احتمل أمرين أحدهما أن يكون لتكثير الفعل لأنه خاطب جماعة والآخر يكون عقد مثل ضعف لا يراد به التكثير كما أن ضاعف لا يراد به فعل من اثنين‏.‏ ومن قرأ «عقَدتم» فخفف القاف جاز أن يراد به الكثير من الفعل والقليل، وعقد اليمين كعقد الحبل والعهد، وقال الحطيئة‏:‏

قوم إذا عقدوا عقداً لجارهم *** شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا

ومن قرأ «عاقدتم» فيحتمل ضربين أحدهما أن يكون كطارقت النعل وعاقبت اللص، والآخر أن يراد به فاعلت الذي يقتضي فاعلين كأن المعنى يؤاخذكم بما عاقدتم عليه الإيمان، ويعدي عاقد ب «على» لما هو في معنى عاهد، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن أوفى بما عاهد عليه الله‏}‏ ‏[‏الفتح‏:‏ 10‏]‏ وهذا كما عديت ‏{‏ناديتم إلى الصلاة‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 58‏]‏ ب «إلى» وبابها أن تقول ناديت زيداً و‏{‏ناديناه من جانب الطور الأيمن‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 52‏]‏ لكن لما كانت بمعنى دعوت إلى كذا كقوله تعالى ‏{‏ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله‏}‏ ‏[‏فصلت‏:‏ 33‏]‏ عديت نادى ب «إلى»، ثم يتسع في قوله تعالى «عاقدتم» عليه الإيمان فيحذف الجار، ويصل الفعل إلى المفعول، ثم يحذف من الصلة الضمير الذي يعود على الموصول، وتقديره يؤاخذكم بما عقدتموه الأيمان‏.‏ كما حذف من قوله تعالى ‏{‏فاصدع بما تؤمر‏}‏

‏[‏الحجر‏:‏ 94‏]‏ و‏{‏الأيمان‏}‏ جمع يمين وهي الألية سميت يميناً لما كان عرفهم أن يصفقوا بأيمان بعضهم على بعض عند الألية‏.‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فكفارته‏}‏ معناه فالشيء الساتر على إثم الحنث في اليمين إطعام، والضمير على الصناعة النحوية عائد على ما، ويحتمل ‏{‏ما‏}‏ في هذا الموضع أن تكون بمعنى الذي، وتحتمل أن تكون مصدرية وهو عائد مع المعنى الذي ذكرناه على إثم الحنث، ولم يجر له ذكر صحيح لكن المعنى يقتضيه و‏{‏إطعام عشرة مساكين‏}‏ معناه إشباعهم مرة، قال الحسن بن أبي الحسن إن جمعهم أشبعهم إشباعة واحدة، وإن أعطاهم أعطاهم مكوكاً مكوكاً، وحكم هؤلاء أن لا يتكرر واحد منهم في كفارة يمين واحدة، وسواء أطعموا أفراداً أو جماعة في حين واحد ولا يجزئ في شيء من ذلك ذمي وإن أطعم صبي فيعطى حظ كبير، ولا يجوز أن يطعم عبد ولا ذو رحم تلزم نفقته، فإن كان ممن لا تلزم المكفر نفقته فقد قال مالك لا يعجبني أن يطعمه، ولكن إن فعل وكان فقيراً اجزأه، ولا يجوز أن يطعم منها غني، وإن أطعم جهلاً بغناه ففي المدونة وغير كتاب أنه لا يجزئ وفي الأسدية أنه يجزئ واختلف الناس في معنى قوله ‏{‏من أوسط‏}‏ فرأى مالك رحمه الله وجماعة معه هذا التوسط في القدر، ورأى ذلك جماعة في الصنف، والوجه أن يعم بلفظ الوسط القدر والصنف‏.‏

فرأى مالك أن يطعم المسكين بالمدينة مداً بمد النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك رطل وثلث من دقيق، وهذا لضيق المعيشة بالمدينة، ورأى في غيرها أن يتوسع ولذلك استحسن الغداء والعشاء، وأفتى ابن وهب بمصر بمد ونصف وأشهب بمد وثلث، قال ابن المواز‏:‏ ومد وثلث وسط من عيش أهل الأمصار في الغداء والعشاء، قال ابن حبيب‏:‏ ولا يجزئ الخبز قفاراً ولكن بأدام زيت أو لبن أو لحم أو نحوه، وفي شرح ابن مزين أن الخبز القفار يجزئ، ورأى من يقول إن التوسط إنما هو ي الصنف أن يكون الرجل المكفر يتجنب أدنى ما يأكل الناس في البلد وينحط عن الأعلى ويكفر بالوسط من ذلك، ومذهب المدونة أن يراعي المكفر عيش البلد، وفي كتاب ابن المواز أن المراعى عيشه في أهله الخاص به، وكأن الآية على التأويل الأول معناها من أوسط ما تطعمون أيها الناس أهليكم في الجملة من مدينة أو صقع، وعلى التأويل الثاني معناها من أوسط ما يطعم شخص أهله‏.‏ وقرأ الجمهور «أهليكم» وهو جمع أهل على السلامة وقرأ جعفر بن محمد «من أوسط ما تطعمون أهاليكم»، وهذا جمع مكسر قال أبو الفتح «أهال» بمنزلة ليال، كأن واحدها أهلاة وليلاة، والعرب تقول أهل وأهلة ومنه قول الشاعر‏:‏

وأهلة ود قد تبريت ودهم‏.‏‏.‏‏.‏

ويقال ليلة وليلاة وأنشد ابن الأعرابي‏:‏

في كل ما يوم وكل ليلاه *** حتى يقول من رآه إذ رآه

يا ويحه من جمل ما أشقاه *** وقرأ الجمهور «أو كِسوتهم» بكسر الكاف يراد به كسوة الثياب وقرأ سعيد بن المسيب وأبو عبد الرحمن وإبراهيم النخعي «أو كُسوتهم» بضم الكاف، وقرأ سعيد بن جبير ومحمد بن السميفع اليماني «أو كأسوتهم» من الأسوة قال أبو الفتح كأنه قال أو بما يكفي مثلهم فهو على حذف المضاف بتقدير أو ككفاية أسوتهم، قال وإن شئت جعلت الأسوة هي الكفاية فلم تحتج إلى حذف مضاف‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وفي هذا نظر، والقراءة مخالفة لخط المصحف، ومعناها على خلاف ما تأول أهل العلم من أن الحانث في اليمين بالله مخير في الإطعام أو الكسوة أو العتق، والعلماء على أن العتق أفضل ذلك ثم الكسوة الإطعام وبدأ الله تعالى عباده بالأيسر فالأيسر، ورب مدة ومسغبة يكون فيها الإطعام أفضل من العتق لكن ذلك شاذ وغير معهود والحكم للأغلب، واختلف العلماء في حد الكسوة فراعى على قوم نفس اللفظ فإذا كان الحانث المكفر كاسياً والمسكين مكسواً حصل الإجزاء، وهذه رتبة تنحصل بثوب واحد أي ثوب كان بعد إجماع الناس أن القلنسوة بانفرادها لا تجزئ في كفارة اليمين، قال مجاهد‏:‏ يجزئ في كفارة اليمين ثوب واحد فما زاد، وقال الحسن‏:‏ الكسوة ثوب لكل مسكين وقاله طاوس، وقال منصور‏:‏ الكسوة ثوب قميص أو رداء أو إزار قاله أبو جعفر وعطاء وابن عباس، وقال قد تجزئ العباءة في الكفارة وكذلك الشملة، وقال الحسن بن أبي الحسن‏:‏ تجزئ العمامة في كفارة اليمين، وقال مجاهد‏:‏ يجزئ كل شيء إلا التبان، وروي عن سلمان رضي الله عنه أنه قال‏:‏ نعم الثوب التبان، أسنده الطبري وقال الحكم بن عتيبة‏:‏ تجزئ عمامة يلف بها رأسه وراعى قوم معهود الزي والكسوة المتعارفة، فقال بعضهم لا يجزئ الثوب الواحد إلا إذا كان جامعاً مما قد يتزيى به كالكساء والملحفة، قال إبراهيم النخعي‏:‏ يجزئ الثوب الجامع وليس القميص والدرع والخمار ثوباً جامعاً‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ قد يكون القميص الكامل جامعاً وزياً، وقال بعضهم‏:‏ الكسوة في الكفارة إزار وقميص ورداء قاله ابن عمر رضي الله عنه، وروي عن الحسن وابن سيرين وأبي موسى الأشعري أن الكسوة في الكفارة ثوبان لكل مسكين، وعلق مالك رحمه الله الحكم بما يجزئ في الصلاة، وهذا أحسن نظر، فقال‏:‏ يجزئ في الرجل ثوب واحد، وقال ابن حبيب يكسى قميصاً أو إزاراً يبلغ أن يلتف به مشتملاً، وكلام ابن حبيب تفسير، قال مالك‏:‏ تكسى المراة درعاً وخماراً، وقال ابن القاسم في العتبية‏:‏ وإن كسا صغير الإناث فدرع وخمار كالكبيرة، والكفارة واحدة لا ينقص منها لصغير، قال عنه ابن المواز ولا تعجبني كسوة المراضع بحال، فأما من أمر بالصلاة فيكسوه قيمصاً ويجزئه، قال ابن المواز من رأيه‏:‏ بل كسوة رجل كبير وإلا لم يجزئ، قال أشهب، تعطى الأنثى إذا لم تبلغ الصلاة ثوب رجل ويجزئ وقاله ابن الماجشون، وقوله ‏{‏أو تحرير رقبة‏}‏ التحرير الإخراج من الرق، ويستعمل في الأسر والمشقات وتعب الدنيا ونحوها، فمنه قوله تعالى عن أم مريم‏:‏

‏{‏إني نذرت لكما في بطني محرراً‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 35‏]‏ أي من شغوب الدنيا، ومن ذلك قول الفرزدق‏:‏

ابني غدانة إنني حررتكم *** فوهبتكم لعطية بن جعال

أي حررتكم من الهجاء، وخص الرقبة من الإنسان إذ هو العضو الذي فيه يكون الغل والتوثق غالباً من الحيوان، فهو موضع الملك فأضيف التحرير إليها، واختلف الناس في صفة المعتق في الكفارة كيف ينبغي أن يكون، فقالت جماعة من العلماء‏:‏ هذه رقبة مطلقة لم تقيد بأيمان فيجوز في كفارة اليمين عتق الكافر، وهذا مذهب الطبري وجماعة من العلماء، وقالت فرقة كل مطلق في القرآن من هذا فهو راجع إلى المقيد في عتق الرقبة في القتل الخطأ فلا يجزي في شيء من الكفارات كافر، وهذا قول مالك رحمه الله وجماعة معه، وقال مالك رحمه الله‏:‏ لا يجزي أعمى ولا أبرص ولا مجنون، وقال ابن شهاب وجماعة، وفي الأعور قولان في المذهب، وكذلك في الأصم وفي الخصي، وفي العلماء من رأى أن جميع هذا يجزئ وفرق النخعي فجوز عتق من يعمل أشغاله وخدمته ومنع عتق من لا يعمل كالأعمى والمقعد والأشل اليدين، قال مالك رحمه الله‏:‏ والأعجمي عندي يجزئ من قصر النفقة وغيره أحب إليّ، قال سحنون يريد بعد أن يجيب إلى الإسلام، فإن كان الأعجمي لم يجب إلا أنه ممن يجبر على الإسلام كالكبير من المجوس والصغير من الحربيين الكتابيين فقال ابن القاسم يجزئ عتقه وإن لم يسلم وقال أشهب لا يجزئ حتى يسلم، ولا يجزئ عند مالك من فيه شعبة حرية كالمدبر وأم الولد ونحوه‏.‏

وقوله تعالى ‏{‏فمن لم يجد‏}‏ معناه لم يجد في ملكه أحد هذه الثلاثة من الإطعام او الكسوة أو عتق الرقبة واختلف العلماء في حد هذا العادم الوجد حتى يصح له الصيام، فقال الشافعي رحمه الله وجماعة من العلماء إذا كان المكفر لا يملك إلا قوته وقوت عياله يومه وليلته فله أن يصوم، فإن كان عنده زائداً على ذلك ما يطعم عشرة مساكين لزمه الإطعام، وهذا أيضاً هو مذهب مالك وأصحابه قال مالك في المدونة‏:‏ لا يجزئه صيام وهو يقدر على أحد الوجوه الثلاثة، وروي عن ابن القاسم أن من تفضل له نفقة يوم فإنه لا يصوم، وقال ابن المواز‏:‏ ولا يصوم الحانث حتى لا يجد إلا قوته أو يكون في البلد لا يعطف عليه فيه، وقال ابن القاسم في كتاب ابن مزين‏:‏ إن كان لحانث فضل عن قوت يومه أطعم إلا أن يخاف الجوع أو يكون في بلد لا يعطف عليه فيه، وقال سعيد بن جبير‏:‏ إن لم يكن له إلا ثلاثة دراهم أطعم وقال قتادة‏:‏ إذا لم يكن له إلا قدر ما يكفر به صام، وقال الحسن بن أبي الحسن‏:‏ إذا كان له درهمان أطعم، قال الطبري‏:‏ وقال آخرون‏:‏ جائز لمن لم تكن عنده مائتا درهم أن يصوم وهو ممن لا يجد وقال آخرون‏:‏ جائز لمن لم يكن عنده فضل على رأس ماله الذي يتصرف به في معاشه أن يصوم، وقرأ أبي بن كعب فصيام ثلاثة أيام متتابعات، وكذلك عبد الله بن مسعود وإبراهيم النخعي، وقال بذلك جماعة من العلماء منهم مجاهد وغيره، وقال مالك رحمه الله وغيره‏:‏ إن تابع فحسن وإن فرق أجزأ، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك كفارة أيمانكم‏}‏ إشارة إلى ما ذكر من الأشياء الثلاثة وقوله ‏{‏إذا حلفتم‏}‏ معناه ثم أردتم الحنث أو وقعتم فيه وباقي الآية وصاة وتوقيف على النعمة والإيمان‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏90- 92‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ‏(‏90‏)‏ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ‏(‏91‏)‏ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ‏(‏92‏)‏‏}‏

الخطاب للمؤمنين جميعاً، لأن هذه الأشياء شهوات وعادات قد تلبس بها في الجاهلية وغلبت على النفوس فكان بقي منها في نفوس كثير من المؤمنين، فأما ‏{‏الخمر‏}‏ فكانت لم تحرم بعد وأما ‏{‏الميسر‏}‏ ففيه قمار ولذة للفارغ من النفوس ونفع أيضاً بوجه ما، وأما ‏{‏الأنصاب‏}‏ وهي حجارة يذكون عندها لفضل يعتقدونه فيها، وقيل هي الأصنام المعبودة كانوا يذبحون لها وعندها في الجاهلية‏.‏ فإن كانت المرادة في هذه الآية الحجارة التي يذبح عندها فقط فذلك لأنه كان في نفس ضعفة المؤمنين شيء من تعظيم تلك الحجارة، وهذا كما قالت امرأة الطفيل بن عمرو الدوسي لزوجها‏:‏ أتخاف على الصبية من ذي الشرى شيئاً‏؟‏ وذو الشرى صنم لدوس، وإن كانت المرادة في هذه الآية الأصنام فإنما قرنت بهذه الأمور ليبين النقص في هذه إذ تقرن بالأصنام، ولا يتأول أنه بقي في نفس مؤمن شيء من تعظيم الأصنام والتلبس بها حتى يقال له اجتنبه، وأما ‏{‏الأزلام‏}‏ فهي الثلاثة التي كان أكثر الناس يتخذونها في أحدها «لا» وفي الآخر «نعم»، والآخر «غفل»، وهي التي حبسها سراقة بن جعشم حين اتبع النبي صلى الله عليه وسلم في وقت الهجرة، فكانوا يعظمونها، وبقي منها في بعض النفوس شيء ومن هذا القبيل هو الزجر بالطير وأخذ الفأل منها في الكتب ونحوه مما يصنعه الناس اليوم، وقد يقال لسهام الميسر أزلام، والزلم السهم وكان من الأزلام أيضاً ما يكون عند الكهان وكان منها سهام عند الأصنام وهي التي ضرب بها على عبد الله بن عبد المطلب أبي النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عند قريش في الكعبة أزلام فيها أحكام ذكرها ابن إسحاق وغيره، فأخبر الله تعالى أن هذه الأشياء ‏{‏رجس‏}‏، قال ابن زيد‏:‏ الرجس الشر‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ كل مكروه ذميم، وقد يقال للعذاب، وقال ابن عباس في هذه الآية ‏{‏رجس‏}‏ سخط، وقد يقال للنتن وللعذرة والأقذار رجس، والرجز العذاب لا غير، والركس العذرة لا غير، والرجس يقال للأمرين، وأمر الله تعالى باجتناب هذه الأمور واقترنت بصيغة الأمر في قوله ‏{‏فاجتنبوه‏}‏ نصوص الأحاديث وإجماع الأمة، فحصل الاجتناب في رتبة التحريم، فبهذا حرمت الخمر بظاهر القرآن ونص الحديث وإجماع الأمة، وقد تقدم تفسير لفظة ‏{‏الخمر‏}‏ ومعناها‏.‏ وتفسير ‏{‏الميسر‏}‏ في سورة البقرة، وتقدم تفسير ‏{‏الأنصاب‏}‏ والاستقسام بالأزلام في صدر هذه السورة، واختلف الناس في سبب نزول هذه الآيات فقال أبو ميسرة‏:‏ نزلت بسبب عمر بن الخطاب فإنه ذكر للنبي صلى الله عليه وسلم عيوب الخمر وما ينزل بالناس من أجلها ودعا إلى الله في تحريمها، وقال‏:‏ اللهم بين لنا فيها بياناً شافياً، فنزلت هذه الآيات، فقال عمر انتهينا، انتهينا وقال مصعب بن سعد بن أبي وقاص عن أبيه سعد قال‏:‏ صنع رجل من الأنصار طعاماً فدعانا الأنصار لحي جمل فضرب به أنف سعد ففزره، فكان سعد أفزر الأنف، قال سعد ففيّ نزلت الآية إلى آخرها، وقال ابن عباس‏:‏ نزل تحريم الخمر في قبيلتين من الأنصار شربوا حتى إذا ثملوا عربدوا فلما صحوا جعل كل واحد منهم يرى الأثر بوجهه ولحيته وجسده، فيقول هذا فعل فلان بي، فحدث بينهم في ذلك ضغائن، فنزلت هذه الآيات في ذلك‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وأمر الخمر إنما كان بتدريج ونوازل كثيرة، منها قصة حمزة حين جبَّ الأسنمة، وقال للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ وهل أنتم إلا عبيد لأبي، ومنها قراءة علي بن أبي طالب في صلاة المغرب «قل يا أيها الكافرون أعبد ما تعبدون» فنزلت ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 43‏]‏ الآية، ثم لم تزل النوازل تحزب الناس بسببها حتى نزلت هذه الآية، فحرمت بالمدينة وخمر العنب فيها قليل، إنما كانت خمرهم من خمسة أشياء من العسل ومن التمر ومن الزبيب ومن الحنطة ومن الشعير، والأمة مجمعة على تحريم القليل والكثير من خمر العنب التي لم تمسها نار ولا خالطها شيء، وأكثر الأمة على أن ما أسكر كثيره فقليله حرام ولأبي حنيفة وبعض فقهاء الكوفة إباحة ما لا يسكر مما يسكر كثيره من غير خمر العنب، وهو مذهب مردود، وقد خرج قوم تحريم الخمر من وصفها برجس وقد وصف تعالى في آية أخرى الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير بأنها رجس، فيجيء من ذلك أن كل رجس حرام‏.‏

قال القاضي أبومحمد‏:‏ وفي هذا نظر، والاجتناب أن يجعل الشيء جانباً أو ناحية‏.‏

ثم أعلم تعالى عباده أن الشيطان إنما يريد أن تقع العداوة بسبب الخمر، وما كان يغري عليها بين المؤمنين وبسبب الميسر إذ كانوا يتقامرون على الأموال والأهل، حتى ربما بقي المقمور حزيناً فقيراً فتحدث من ذلك ضغائن وعداوة، فإن لم يصل الأمر إلى حد العداوة كانت بغضاء، ولا تحسن عاقبة قوم متباغضين، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ولا تباغضوا ولا تحاسدوا ولا تدابروا وكونوا عباد الله إخواناً»، وباجتماع النفوس والكلمة يحمى الدين ويجاهد العدو، و‏{‏البغضاء‏}‏ تنقض عري الدين وتهدم عماد الحماية، وكذلك أيضاً يريد الشيطان أن يصد المؤمنين عن ذكر الله وعن الصلاة ويشغلهم عنها بشهوات، فالخمر والميسر والقمار كله من أعظم آلاته في ذلك، وفي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فهل أنتم منتهون‏}‏ وعيد في ضمن التوقيف زائد على معنى انتهوا‏.‏

ولما كان في الكلام معنى انتهوا حسن أن يعطف عليه ‏{‏وأطيعوا‏}‏ وكرر ‏{‏أطيعوا‏}‏ في ذكر الرسول تأكيداً، ثم حذر تعالى من مخالفة الأمر وتوعد من تولى بعذاب الآخرة أي إنما على الرسول ان يبلغ وعلى المرسل أن يعاقب أو يثيب بحسب ما يعصى أو يطاع‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏93- 94‏]‏

‏{‏لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآَمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏93‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ‏(‏94‏)‏‏}‏

سبب هذه الآية فيما قال ابن عباس والبراء بن عازب وأنس بن مالك‏:‏ أنه لما نزل تحريم الخمر، قال قوم من الصحابة‏:‏ يا رسول الله، كيف بمن مات منا وهو يشربها ويأكل الميسر ونحو هذا من القول‏؟‏ فنزلت هذه الآية‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا نظير سؤالهم عمن مات على القبلة الأولى، ونزلت ‏{‏وما كان الله ليضيع إيمانكم‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 143‏]‏ ولما كان أمر القبلة خطيراً ومعلماً من معالم الدين تخيل قوم نقص من فاته، وكذلك لما حصلت الخمر والميسر في هذا الحد العظيم من الذم، أشفق قوم وتخيلوا نقص من مات على هذه المذمات، فأعلم تعالى عباده أن الذم والجناح إنما يلحق من جهة المعاصي، وأولئك الذين ماتوا قبل التحريم لم يعصوا في ارتكاب محرم بعد بل كانت هذه الأشياء مكروهة لم ينص عليها بتحريم، والشرع هو الذي قبحها وحسن تجنبها، و«الجناح» الإثم والحرج، وهو كله الحكم الذي يتصف به فاعل المعصية والنسبة التي تترتب للعاصي و‏{‏طعموا‏}‏ معناه ذاقوا فصاعداً في رتب الأكل والشرب وقد يستعار للنوم وغيره وحقيقته في حاسة الذوق والتكرار في قوله ‏{‏اتقوا‏}‏ يقتضي في كل واحدة زيادة على التي قبلها وفي ذلك مبالغة في هذه الصفات لهم، وذهب بعض المفسرين إلى أن يعين المراد بهذا التكرار فقال قوم‏:‏ الرتبة الأولى هي اتقاء الشرك والكبائر والإيمان على كماله وعمل الصالحات، والرتبة الثانية هي الثبوت والدوام على الحالة المذكورة، والرتبة الثالثة هي الانتهاء في التقوى إلى امتثال ما ليس بفرض من النوافل في الصلاة والصدقة وغير ذلك، وهو الإحسان، وقال قوم الرتبة الأولى لماضي الزمن، والثانية للحال، والثالثة للاستقبال، وقال قوم‏:‏ الاتقاء الأول هو في الشرك والتزام الشرع، والثاني في الكبائر، والثالث في الصغائر‏.‏

قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه‏:‏ وليست هذه الآية وقفاً على من عمل الصالحات كلها، واتقى كل التقوى‏.‏ بل هو لكل مؤمن وإن كان عاصياً أحياناً إذا كان قد عمل من هذه الخصال الممدوحة ما استحق به أن يوصف بأنه مؤمن عامل للصالحات متق في غالب أمره محسن، فليس على هذا الصنف جناح فيما طعم مما لم يحرم عليه، وقد تأول هذه الآية قدامة بن مظعون الجمحي من الصحابة رضي الله عنه، وهو ممن هاجر إلى أرض الحبشة مع أخويه عثمان وعبد الله، ثم هاجر إلى المدينة وشهد بدراً وعمرّ، وكان ختن عمر بن الخطاب خال عبد الله وحفصة، ولاه عمر بن الخطاب على البحرين ثم عزله لأن الجارود سيد عبد القيس قدم على عمر بن الخطاب فشهد عليه بشرب الخمر، فقال له عمر‏:‏ ومن يشهد معك‏؟‏ فقال‏:‏ أبو هريرة، فجاء أبو هريرة فقال له عمر بم تشهد‏؟‏ قال لم أره يشرب ولكن رأيته سكران يقيء، فقال له عمر‏:‏ لقد تنطعت في الشهادة، ثم كتب عمر إلى قدامة أن يقدم عليه، فقدم، فقال الجارود لعمر‏:‏ أقم على هذا كتاب الله، فقال له عمر‏:‏ أخصم أنت أم شهيد، قال‏:‏ بل شهيد‏:‏ قال‏:‏ قد أديت شهادتك، فصمت الجارود ثم غدا على عمر، فقال أقم على قدامة كتاب الله، فقال له عمر‏:‏ ما أراك إلا خصماً وما شهد معك إلا رجل واحد، قال الجارود‏:‏ إني أنشدك الله، قال عمر‏:‏ لتمسكن لسانك أو لأسوأنك، فقال الجارود‏:‏ ما هذا والله يا عمر بالحق أن يشرب ابن عمك الخمر وتسوءني، فقال أبو هريرة‏:‏ إن كنت تشك في شهادتنا فأرسل إلى ابنة الوليد فسلها، وهي امرأة قدامة، فبعث عمر إلى هند بنت الوليد ينشدها الله، فأقامت الشهادة على زوجها، فقال عمر لقدامة إني حادك، فقال‏:‏ لو شربت كما يقولون لم يكن لك أن تحدني، قال عمر لم‏؟‏ قال‏:‏ لأن الله تعالى يقول ‏{‏ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح‏}‏ الآية، فقال له عمر‏:‏ أخطأت التأويل، إنك إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم عليك، ثم حده عمر وكان مريضاً فقال له قوم من الصحابة لا نرى أن تجلده ما دام مريضاً، فأصبح يوماً وقد عزم على جلده، فقال لأصحابه‏:‏ ما ترون في جلد قدامة‏؟‏ قالوا‏:‏ لا نرى ذلك ما دام وجعاً، فقال له عمر لأن يلقى الله وهو تحت السياط أحب إليَّ من أن ألقاه وهو في عنقي، وأمر بقدامة فجلد، فغاضب قدامة عمر وهجره إلى أن حج عمر وحج معه قدامة مغاضباً له، فلما كان عمر بالسقيا نام ثم استيقظ فقال‏:‏ عجلوا عليَّ بقدامة، فقد أتاني آت في النوم فقال‏:‏ سالم قدامة فإنه أخوك، فبعث في قدامة فأبى أن يأتي فقال عمر جروه إن أبي فلما جاء كلمه عمر واستغفر له فاصطلحا، قال أيوب بن أبي تميمة لم يحد أحد من أهل بدر في الخمر غيره‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا ليبلونكم الله بشيء من الصيد‏}‏ أي ليختبركم ليرى طاعتكم من معصيتكم وصبركم من عجزكم عن الصيد، وكان الصيد أحد معايش العرب العاربة، وشائعاً عند الجميع منهم مستعماً جداً، فابتلاهم الله فيه مع الإحرام أو الحرم كما ابتلى بني إسرائيل في أن لا يعتدوا في السبت، و‏{‏من‏}‏ تحتمل أن تكون للتبعيض، فالمعنى من صيد البر دون البحر، ذهب إليه الطبري وغيره، ويحتمل أن يكون التبعيض في حالة الحرمة إذ قد يزول الإحرام ويفارق الحرم، فصيد بعض هذه الأحوال بعض الصيد على العموم، ويجوز أن تكون لبيان الجنس، قال الزجّاج وهذا كما تقول لأمتحننك بشيء من الورق، وكما قال تعالى

‏{‏فاجتنبوا الرجس من الأوثان‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 30‏]‏ وقوله ‏{‏بشيء‏}‏ يقتضي تبعيضاً ما وقد قال كثير من الفقهاء إن الباء في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وامسحوا برؤوسكم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 6‏]‏ أعطت تبعيضاً ما، وقرأ ابن وثاب والنخعي «يناله» بالياء نمقوطة من تحت، وقال مجاهد الأيدي تنال الفراخ والبيض وما لا يستطيع أن يفر، والرماح تنال كبار الصيد‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ والظاهر أن الله تعالى خص الأيدي بالذكر لأنها عظم المتصرف في الاصطياد، وهي آلة الآلات وفيها تدخل الجوارح والحبالات، وما عمل باليد من فخاخ وشباك، وخص الرماح بالذكر لأنها عظم ما يجرح به الصيد وفيها يدخل السهم ونحوه، واحتج بعض الناس على أن الصيد للآخذ لا للمثير بهذه الآية، لأن المثير لم تنل يده ولا رمحه بعد شيئاً، وقوله تعالى ‏{‏ليعلم‏}‏ معناه ليستمر علمه عليه وهو موجود إذ علم تعالى ذلك في الأزل‏.‏ وقرأ الزهري «ليُعلِم الله» بضم الياء وكسر اللام أي ليعلم عباده، و‏{‏بالغيب‏}‏ قال الطبري معناه في الدنيا حيث لا يرى العبد ربه فهو غائب عنه، والظاهر أن المعنى بالغيب من الناس أي في الخلوة فمن خاف الله انتهى عن الصيد من ذات نفسه، وقد خفي له لو صاد، ثم توعد تعالى من اعتدى بعد هذا النهي الذي يأتي وهو الذي أراد بقوله ‏{‏ليبلونكم‏}‏ وأشار إليه قوله ‏{‏ذلك‏}‏ والعذاب الأليم هو عذاب الآخرة‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏95‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ ‏(‏95‏)‏‏}‏

الخطاب لجميع المؤمنين، وهذا النهي هو الابتلاء الذي أعلم به قوله قبل ‏{‏ليبلونكم‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 94‏]‏ و‏{‏الصيد‏}‏ مصدر عومل معاملة الأسماء فأوقع على الحيوان المصيد، ولفظ الصيد هنا عام ومعناه الخصوص فيما عدا الحيوان الذي أباح رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله في الحرم، ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال‏:‏ «خمس فواسق يقتلن في الحرم الغراب والحدأة والفأرة والعقرب والكلب العقور» ووقف مع ظاهر هذا الحديث سفيان الثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه فلم يبيحوا للمحرم قتل شيء سوى ما ذكر، وقاس مالك رحمه الله على الكلب العقور كل ما كلب على الناس وعقرهم ورآه داخلاً في اللفظ فقال للمحرم أن يقتل الأسد والنمر والفهد والذئب وكل السباع العادية مبتدئاً بها، فأما الهر والثعلب والضبع فلا يقتلها المحرم وإن قتلها فدى، وقال أصحاب الرأي إن بدأ السبع المحرم فله أن يقتله، وإن ابتدأه المحرم فعليه قيمته، وقال مجاهد والنخعي لا يقتل المحرم من السباع إلا ما عدا عليه، وقال ابن عمر ما حل بك من السباع فحلَّ به، وأما فراخ السبع الصغار قبل أن تفرس فقال مالك في المدونة لا ينبغي للمحرم قتلها، قال أشهب في كتاب محمد‏:‏ فإن فعل فعليه الجزاء، وقال أيضاً أشهب وابن القاسم لا جزاء عليه، وثبت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه أمر المحرمين بقتل الحيات وأجمع الناس على إباحة قتلها وثبت عن عمر رضي الله عنه إباحة قتل الزنبور لأنه في حكم العقرب، وقال مالك‏:‏ يطعم قاتله شيئاً، وكذلك قال مالك فيمن قتل البرغوث والذباب والنمل ونحوه، وقال أصحاب الرأى لا شيء على قاتل هذه كلها، وأما سباع الطير فقال مالك لا يقتلها المحرم وإن فعل فدى، وقال ابن القاسم في كتاب محمد‏:‏ وأحب إليَّ أن لا يقتل الغراب والحدأة حتى يؤذياه، ولكن إن فعل فلا شيء عليه‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وذوات السموم كلها في حكم الحية كالأفعى والرتيلاء وما عدا ما ذكرناه فهو مما نهى الله عن قتله في الحرمة بالبلد أو الحال، وفرض الجزاء على من قتله و‏{‏حرم‏}‏ جمع حرام وهو الذي يدخل في الحرام أو في الإحرام، وحرام، يقال للذكر والأنثى والاثنين والجميع، واختلف العلماء في معنى قوله ‏{‏متعمداً‏}‏ فقال مجاهد وابن جريج والحسن وابن زيد‏:‏ معناه متعمداً لقتله ناسياً لإحرامه، فهذا هو الذي يكفر وكذلك الخطأ المحض يكفر وأما إن قتله متعمداً ذاكراً لإحرامه فهذا أجلّ وأعظم من أن يكفر‏.‏ قال مجاهد‏:‏ قد حل ولا رخصة له، وقاله ابن جريج، وحكى المهدوي وغيره أنه بطل حجه، وقال ابن زيد‏:‏ هذا يؤكل إلى نقمة الله، وقال جماعة من أهل العلم منهم ابن عباس ومالك وعطاء وسعيد ابن جبير والزهري وطاوس وغيرهم، المتعمد هو القاصد للقتل الذاكر لإحرامه، وهو يكفر وكذلك الناسي والقاتل خطأً يكفران‏.‏

قال الزهري‏:‏ نزل القرآن بالعمد وجرت السنة في قتله خطأً أنهما يكفران، وقال بعض الناس لا يلزم القاتل خطأً كفارة، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر «فجزاءُ مثلِ ما» بإضافة الجزاء إلى مثل وخفض مثل، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم «فجزاء» بالرفع «مثلُ» بالرفع أيضاً فأما القراءة الأولى ومعناها فعليه جزاء مثل، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم «فجزاء» بالرفع «مثلُ» بالرفع أيضاً فأما القراءة الأولى ومعناها بقولك أنا أكرمك، ونظير هذا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أفمن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 122‏]‏ التقدير كمن هو في الظلمات‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ويحتمل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فجزاء مثل‏}‏ أني كون المعنى فعليه أن يجزي مثل ما، ثم وقعت الإضافة إلى المثل الذي يجزي به اتساعاً، وأما القراءة الثانية فمعناها فالواجب عليه أو فاللازم له جزاء مثل ما و«مثل» على هذه القراءة صفة لجزاء، أي فجزاء مماثل، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏من النعم‏}‏ صفة لجزاء على القراءتين كلتيهما، وقرأ عبد الله بن مسعود «فجزاؤه مثل ما» بإظهار هاء يحتمل أن تعود على الصيد أو على الصائد القاتل، وقرأ أبو عبد الرحمن «فجزاءُ» بالرفع والتنوين «مثلَ ما» بالنصب، وقال أبو الفتح «مثل» منصوبة بنفس الجزاء أي فعليه أن يجزي مثل ما قتل، واختلف العلماء في هذه المماثلة كيف تكون‏؟‏‏!‏ فذهب الجمهور إلى أن الحكمين ينظران إلى مثل الحيوان المقتلول في الخلقة وعظم المرأى فيجعلون ذلك من النعم جزاءه، قال الضحاك بن مزاحم والسدي وجماعة من الفقهاء‏:‏ في النعامة وحمار الوحش ونحوه بدنة، وفي الوعل والإبل ونحوه بقرة، وفي الظبي ونحوه كبش، وفي الأرنب ونحوه ثنية من الغنم، وفي اليربوع حمل صغير، وما كان من جرادة ونحوها ففيها قبضة طعام، وما كان من طير فيقوم ثمنها طعاماً فإن شاء تصدق به وإن شاء صام لكل صاع يوماً، وإن أصاب بيض نعام فإنه يحمل الفحل على عدد أصاب من بكارة الإبل فما نتج منها أهداه إلى البيت وما فسد فيها منها فلا شيءٍ عليه فيه‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ حكم عمر على قبيصة بن جابر في الظبي بشاة، وحكم هو وعبد الرحمن بن عوف، قال قبيصة‏:‏ قلت يا أمير المؤمنين إن أمره أهون من أن تدعو من يحكم معك، قال‏:‏ فضربني بالدرة حتى سابقته عَدْوا‏.‏

ثم قال‏:‏ أقتلت الصيد وأنت محرم ثم تغمض الفتوى‏؟‏ وهذه القصة في الموطأ بغير هذه الألفاظ‏.‏ وكذلك روي أنها نزلت بصاحب لقبيصة، وقبيصة هو راويها والله أعلم‏.‏ وأما الأرنب واليربوع ونحوها فالحكم فيه عند مالك أن يقوم طعاماً، فإن شاء تصدق به وإن شاء صام بدل كلّ مدّ يوماً، وكذلك عنده الصيام في كفارة الجزاء إنما هو كله يوم بدل مد، وعند قوم صاع، وعند قوم بدل مدين، وفي حمام الحرم عند مالك شاة في الحمامة، وفي الحمام غيره حكومة وليس كحمام الحرم، وأما بيض النعام وسائر الطير ففي البيضة عند مالك عشر ثمن أمه، قال ابن القاسم‏:‏ وسواء كان فيها فرخ أو لم يكن ما لم يستهل الفرخ صارخاً بعد الكسر فإن استهل ففيه الجزاء كاملاً كجزاء كبير ذلك الطير‏.‏ قال ابن المواز‏:‏ بحكومة عدلين، وقال ابن وهب‏:‏ إن كان في بيضة النعامة فما دونها فرخ فعشر ثمن أمه، وإن لم يكن فصيام يوم أو مد لكل مسكين، وذهبت فرقة من أهل العلم منهم النخعي وغيره إلى أن المماثلة إنما هي في القيمة، يقوّم الصيد المقتول ثم يشتري بقيمته من النعم ثم يهدى، ورد الطبري وغيره على هذا القول، و‏{‏النعم‏}‏ لفظ يقع على الإبل والبقر والغنم إذا اجتمع هذه الأصناف، فإذا انفرد كل صنف لم يقل «نعم» إلا للإبل وحدها، وقرأ الحسن «من النعْم» بسكون العين وهي لغة، والجزاء إنما يجب بقتل الصيد لا بنفس أخذه بحكم لفظ الآية، وذلك في المدونة ظاهر من مسألة الذي اصطاد طائراً فنتف ريشه ثم حبسه حتى نسل ريشه فطار، قال لا جزاء عليه، وقصر القرآن هذه النازلة على حكمين عدلين عالمين بحكم النازلة وبالتقدير فيها، وحكم عمر وعبد الرحمن بن عوف وأمر أبا جرير البجلي أن يأتي رجلين من العدول ليحكما عليه في عنز من الظباء أصابها قال‏:‏

فأتيت عبد الرحمن وسعداً فحكما عليّ تيساً أعفر، ودعا ابن عمر ابن صفوان ليحكم معه في جزاء، وعلى هذا جمهور الناس وفقهاء الأمصار، وقال ابن وهب رحمه الله في العتبية‏:‏ من السنة أن يخير الحكمان من أصاب الصيد كما خيره الله في أن يخرج هدياً بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياماً‏.‏ فإن اختار الهدي حكما عليه بما يريانه نظيراً لما أصاب ما بينهما وبين أن يكون عدل ذلك شاة لأنها أدنى الهدي‏.‏ فما لم يبلغ شاة حكما فيه بالطعام، ثم خير في أن يطعمه أو يصوم مكان كل مد يوماً‏.‏ وكذلك قال مالك في المدونة‏:‏ إذا أراد المصيب أن يطعم أو يصوم وإن كان لما أصاب نظير من النعم فإنه يقوم صيده طعاماً لا دراهم، قال‏:‏ وإن قوموه دراهم واشتري بها طعام لرجوت أن يكون واسعاً، والأول أصوب، فإن شاء أطعمه وإلا صام مكانه لكل مد يوماً وإن زاد ذلك على شهرين أو ثلاثة، وقال يحيى بن عمر من أصحابنا إنما يقال كم من رجل يشبع من هذا الصيد فيعرف العدد ثم يقال كم من الطعام يشبع هذا العدد، فإن شاء أخرج ذلك الطعام، وإن شاء صام عدد أمداده‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا قول حسن أحتاط فيه لأنه قد تكون قيمة الصيد من الطعام قليلة فبهذا النظر يكثر الطعام، ومن أهل العلم من يرى أن لا يتجاوز في صيام الجزاء شهران، قالوا‏:‏ لأنها أعلى الكفارات بالصيام، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏هدياً بالغ الكعبة‏}‏ يقتضي هذا اللفظ أن يشخص بهذا الهدي حتى يبلغ، وذكرت ‏{‏الكعبة‏}‏ لأنها أم الحرم ورأس الحرمة، والحرم كله منحر لهذا الهدي فما وقف به بعرفة من هذا الجزاء فينحر بمنى، وما لم يوقف به فينحر بمكة وفي سائر بقاع الحرم، بشرط أن يدخل من الحل لا بد أن يجمع فيه بين حل وحرم حتى يكون بالغاً الكعبة، وقرأ عبد الرحمن الأعرج «هدِيّاً بالغ الكعبة» بكسر الدال وتشديد الياء، و‏{‏هدياً‏}‏ نصب على الحال من الضمير في ‏{‏به‏}‏، وقيل على المصدر، و‏{‏بالغ‏}‏ نكرة في الحقيقة لم تزل الإضافة عنه الشياع، فتقديره بالغاً الكعبة حذف تنويه تخفيفاً، وقرأ ابن كثير وعاصم وأبو عمرو وحمزة والكسائي «أو كفارةً» منوناً «طعامُ مساكين» برفع طعام وإضافته إلى جمع المساكين، وقرأ نافع وابن عامر برفع الكفارة دون تنوين وخفض الطعام على الإضافة ومساكين بالجمع، قال أبو علي‏:‏ إعراب طعام في قراءة من رفعه أنه عطف بيان لأن الطعام هو الكفارة، ولم يضف الكفارة لأنها ليست للطعام إنما هي لقتل الصيد‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا الكلام كله مبني على أن الكفارة هي الطعام وفي هذا نظر، لأن الكفارة هي تغطية الذنب بإعطاء الطعام، فالكفارة غير الطعام لكنها به، فيتجه في رفع الطعام البدل المحض، ويتجه قراءة من أضاف الكفارة إلى الطعام على أنها إضافة تخصيص، إذ كفارة هذا القتل قد تكون كفارة هدي أو كفارة طعام أو كفارة صيام، وقرأ الأعرج وعيسى بن عمرو «أو كفارةٌ» بالرفع والتنوين «طعامُ» بالرفع دون تنوين «مسكين» على الإفراد وهو اسم الجنس، وقال مالك رحمه الله وجماعة من العلماء‏:‏ القاتل مخير في الرتب الثلاثة وإن كان غنياً، وهذا عندهم مقتضى ‏{‏أو‏}‏، وقال ابن عباس وجماعة لا ينتقل المكفر من الهدي إلى الطعام إلا إذا لم يجد هدياً، وكذلك لا يصوم إلا إذا لم يجد ما يطعم، وقاله إبراهيم النخعي وحماد بن أبي سليمان، قالوا‏:‏ والمعنى أو كفارة طعام إن لم يجد الهدي‏.‏

ومالك رحمه الله وجماعة معه يرى أن المقوم إنما هو الصيد المقتول بالطعام كما تقدم، وقال العراقيون إنما يقوم الجزاء طعاماً، فمن قتل ظبياً قوم الظبي عند مالك وقوم عدله من الكباش أو غير ذلك عند أبي حنيفة وغيره، وحكى الطبري عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال‏:‏ إذا أصاب المحرم الصيد حكم عليه جزاؤه من النعم، فإن وجد جزاءه ذبحه فتصدق به، وإن لم يجد قوم الجزاء دراهم ثم قومت الدراهم حنطة ثم صام مكان كل نصف صاع يوماً قال‏:‏ وإنما أريد بذكر الطعام تبيين أمر الصوم، ومن يجد طعاماً فإنما يجد جزاء، وأسنده أيضاً عن السدي‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ويعترض هذا القول بظاهر لفظ الآية فإنه ينافره، والهدي لا يكون إلا في الحرم كما ذكرنا قبل‏.‏

واختلف الناس في الطعام فقال جماعة من العلماء‏:‏ الإطعام والصيام حيث شاء المكفر من البلاد، وقال عطاء بن أبي رباح وغيره «الهدي والإطعام بمكة والصوم حيث شئت» وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو عدل ذلك صياماً‏}‏ قرأ الجمهور بفتح العين ومعناه‏:‏ نظير الشيء بالموازنة والمقدار المعنوي، وقرأ ابن عباس وطلحة بن مصرف والجحدري‏:‏ «أو عِدل» بكسر العين، قال أبو عمرو الداني ورواه ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال بعض الناس «العَدل» بالفتح قدر الشيء من غير جنسه، وعِدله بالكسر قدره من جنسه، نسبها مكي إلى الكسائي وهو وهم والصحيح عن الكسائي‏:‏ أنهما لغتان في المثل، وهذه المنسوبة عبارة معترضة وإنما مقصد قائلها أن «العِدل» بالكسر قدر الشيء موازنة على الحقيقة كعدلي البعير، وعدله قدره من شيء آخر موازنة معنوية، كما يقال في ثمن فرس هذا عدله من الذهب، ولا يتجه هنا كسر العين فيما حفظت، والإشارة بذلك في قوله ‏{‏عدل ذلك‏}‏ يحتمل أن تكون إلى الطعام، وعلى هذا انبنى قول من قال من الفقهاء الأيام التي تصام هي على عدد الأمداد أو الأصوع أو أنصافها حسب الخلاف الذي قد ذكرته في ذلك‏.‏ ويحتم أن تكون الإشارة ب ‏{‏بذلك‏}‏ إلى الصيد المقتول، وعلى هذا انبنى قول من قال من العلماء‏:‏ الصوم في قتل الصيد إنما هو على قدر المقتول، وقال ابن عباس رضي الله عنه إن قتل المحرم ظبياً فعليه شاة تذبح بمكة، فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، وإن قتل أيلاً فعليه بقرة، فإن لم يجد فإطعام عشرين مسكيناً، فإن لم يجد صام عشرين يوماً، وإن قتل نعامة أو حمار وحش فعليه بدنة، فإن لم يجد أطعم ثلاثين مسكيناً، فإن لم يجد صام ثلاثين يوماً‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وقد تقدم لابن عباس رضي الله عنه قول غير هذا آنفاً حكاهما عنه الطبري مسندين، ولا ينكر أن يكون له في هيئة التكفير قولان، وقال سعيد بن جبير في تفسير قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو عدل ذلك صياماً‏}‏ قال يصوم ثلاثة أيام إلى عشرة‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ليذوق وبال أمره‏}‏ الذوق هنا مستعار كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ذق إنك أنت العزيز الكريم‏}‏ ‏[‏الدخان‏:‏ 49‏]‏ وكما قال ‏{‏فأذاقها الله لباس الجوع‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 112‏]‏ وكما قال أبو سفيان‏:‏ ذق عقق وحقيقة الذوق إنما هي في حاسة السان، وهي في هذا كله مستعارة فيما بوشر بالنفس، والوبال سوء العاقبة، والمرعى الوبيل هو الذي يتأذى به بعد أكله، وعبر بأمره عن جميع حاله من قتل وتكفير وحكم عليه ومضي ماله أو تعبه بالصيام، واختلف المتأولون في معنى قوله تعالى‏:‏ ‏{‏عفا الله عما سلف‏}‏ فقال عطاء بن أبي رباح وجماعة معه‏:‏ معناه عفا الله عما سلف في جاهليتكم من قتلكم الصيد في الحرمة ومن عاد الآن في الإسلام فإن كان مستحيلاً فينتقم الله منه في الآخرة ويكفر في ظاهر الحكم، وإن كان عاصياً فالنقمة هي في إلزام الكفارة فقط، قالوا وكلما عاد المحرم فهو مكفر‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ويخاف المتورعون أن تبقى النقمة مع التكفير، وهذا هو قول الفقهاء مالك ونظائره وأصحابه رحمهم الله، وقال ابن عباس رضي الله عنه‏:‏ المحرم إذا قتل مراراً ناسياً لإحرامه فإنه يكفر في كل مرة، فأما المتعمد العالم بإحرامه فإنه يكفر أول مرة، وعفا الله عن ذنبه مع التكفير، فإن عاد ثانية فلا يحكم عليه، ويقال له‏:‏ ينتقم الله منك، كما قال الله، وقال بهذا القول شريح القاضي وإبراهيم النخعي ومجاهد، وقال سعيد بن جبير‏:‏ رخص في قتل الصيد مرة فمن عاد لم يدعه الله حتى ينتقم منه‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذ القول منه رضي الله عنه وعظ بالآية، وهو مع ذلك يرى أن يحكم عليه في العودة ويكفر لكنه خشي مع ذلك بقاء النقمة، وقال ابن زيد‏:‏ معنى الآية ‏{‏عفا الله عما سلف‏}‏ لكم أيها المؤمنون من قتل الصيد قبل هذا النهي والتحريم، قال وأما من عاد فقتل الصيد وهو عالم بالحرمة متعمد للقتل فهذا لا يحكم عليه، وهو موكول إلى نقمة الله، ومعنى قوله ‏{‏متعمداً‏}‏ في صدر الآية أي متعمداً للقتل ناسياً للحرمة‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وقد تقدم ذكر هذا الفصل، قال الطبري‏:‏ وقال قوم‏:‏ هذه الآية مخصوصة في شخص بعينه وأسند إلى زيد بن المعلى أن رجلاً أصاب وهو محرم فتجوز له عنه ثم عاد فأرسل الله عليه ناراً فأحرقته، فذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن عاد فينتقم الله منه‏}‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والله عزيز ذو انتقام‏}‏ تنبيه على صفتين تقتضي خوف من له بصيرة، ومن خاف ازدجر، ومن هذا المعنى قول النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏96- 98‏]‏

‏{‏أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ ‏(‏96‏)‏ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ‏(‏97‏)‏ اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏98‏)‏‏}‏

هذا حكم بتحليل صيد البحر وهو كل ما صيد من حيتانه، وهذا التحليل هو للمحرم وللحلال، والصيد هنا أيضاً يراد به الصيد، وأضيف إلى البحر لما كان منه بسبب، و‏{‏البحر‏}‏ الماء الكثير ملحاً كان أو عذباً، وكل نهر كبير بحر، واختلف الناس في معنى قوله ‏{‏وطعامه‏}‏ قال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وجماعة كثيرة من الصحابة والتابعين ومن بعدهم هو ما قذف به وما طفا عليه لأن ذلك طعام لا صيد، وسأل رجل ابن عمر عن حيتان طرحها البحر فنهاه عنها ثم قرأ المصحف فقال لنافع الحقه فمره بأكلها فإنها طعام البحر، وهذا التأويل ينظر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» وقال ابن عباس وسعيد بن جبير وإبراهيم النخعي وجماعة‏:‏ «طعامه» كل ما ملح منه وبقي، وتلك صنائع تدخله فترده طعاماً، وإنما الصيد الغريض، وقال قوم ‏{‏طعامه‏}‏ ملحه الذي ينعقد من مائه وسائر ما فيه من نبات ونحوه‏.‏ وكره قوم خنزير الماء، وقال مالك رحمه الله‏:‏ أنتم تقولون خنزير، ومذهبه إباحته، وقول أبي بكر وعمر هو أرجح الأقوال، وهو مذهب مالك، وقرأ ابن عباس وعبد الله بن الحارث و«طُعْمه» بضم الطاء وسكون العين دون ألف و‏{‏متاعاً‏}‏ نصب على المصدر والمعنى متعكم به متاعاً تنتفعون به وتأتدمون، و‏{‏لكم‏}‏ يريد حاضري البحر ومدنه، ‏{‏وللسيارة‏}‏ المسافرين، وقال مجاهد أهل القرى هم المخاطبون، والسيارة أهل الأمصار‏.‏

قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه‏:‏ كأنه يريد أهل قرى البحر وأن السيارة من أهل الأمصار غير تلك القرى يجلبونه إلى الأمصار‏.‏

واختلف العلماء في مقتضي قوله ‏{‏وحرم عليكم الصيد البر ما دمتم حرماً‏}‏ فتلقاه بعضهم على العموم من جميع جهاته، فقالو إن المحرم لا يحل له أن يصيد ولا أن يأمر بصيد ولا أن يأكل صيداً صيد من أجله ولا من غير أجله، ولحم الصيد بأي وجه كان حرام على المحرم، وروي أن عثمان حج وحج معه علي بن أبي طالب فأتي عثمان بلحم صيد صاده حلال فأكل منه ولم يأكل علي، فقال عثمان‏:‏ والله ما صدنا ولا أمرنا ولا أشرنا، فقال علي‏:‏ ‏{‏وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً‏}‏، وروي أن عثمان استعمل على العروض أبا سفيان بن الحارث فصاد يعاقيب فجعلها في حظيرة فمر به عثمان بن عفان فطبخهن وقدمهن إليه، جاء علي بن أبي طالب فنهاهم عن الأكل، وذكر نحو ما تقدم قال‏:‏ ثم لما كانوا بمكة أتي عثمان فقيل له هل لك في علي‏؟‏ أهدي له تصفيف حمار فهو يأكل منه، فأرسل إليه عثمان فسأله عن أكله التصفيف وقال له‏:‏ أما أنت فتأكل وأما نحن فتنهانا فقال له علي‏:‏ إنه صيد عام أول، وأنا حلال، فليس علي بأكله بأس، وصيد ذلك، يعني اليعاقيب وأنا محرم وذبحن وأنا حرام، وروي مثل قول علي عن ابن عباس وابن عمر وطاوس وسعيد بن جبير، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه لا يرى بأساً للمحرم أن يأكل لحم الصيد الذي صاده الحلال لحلال مثله ولنفسه، وسئل أبو هريرة عن هذه النازلة فأفتى بالإباحة، ثم أخبر عمر بن الخطاب فقال له لو أفتيت بغير هذا لأوجعت رأسك بهذه الدرة، وسأل أبو الشعثاء ابن عمر عن هذه المسألة فقال له، كان عمر يأكله، قال‏:‏ قلت فأنت‏؟‏ قال كان عمر خيراً مني، روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال‏:‏ ما صيد أو ذبح وأنت حلال فهو لك حلال، وما صيد أو ذبح وأنت حرام فهو عليك حرام‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا مثل قول علي بن أبي طالب، وروى عطاء عن كعب قال أقبلت في ناس محرمين فوجدنا لحم حمار وحشي فسألوني عن أكله فأفتيتهم بأكله، فقدمنا على عمر فأخبروه بذلك، فقال، قد أمرته عليكم حتى ترجعوا، وقال بمثل قول عمر بن الخطاب عثمان بن عفان رضي الله عنهما والزبير بن العوام وهو الصحيح لأن النبي صلى الله عليه وسلم أكل من الحمار الذي صاده أبو قتادة وهو حلال والنبي محرم، قال الطبري وقال آخرون‏:‏ إنما حرم على المحرم أن يصيد، فأما أن يشتري الصيد من مالك له فيذبحه فيأكله فذلك غير محرم ثم ذكر أن أبا سلمة بن عبد الرحمن، اشترى قطاً وهو بالعرج فأكله فعاب ذلك عليه الناس، ومالك رحمه الله يجيز للمحرم أن يأكل ما صاده الحلال وذبحه إذا كان لم يصده من أجل المحرم، فإن صيد من أجله فلا يأكله، وكذلك قال الشافعي، ثم اختلفا إن أكل، فقال مالك‏:‏ عليه الجزاء وقال الشافعي لا جزاء عليه، وقرأ ابن عباس و«حَرَّم» بفتح الحاء والراء مشددة «صيدَ» بنصب الدال «ما دمتم حَرماً» بفتح الحاء، المعنى وحرم الله عليكم، و‏{‏حرماً‏}‏ يقع للجميع والواحد كرضى وما أشبهه، والمعنى ما دمتم محرمين، فهي بالمعنى كقراءة الجماعة بضم الحاء والراء، ولا يختلف في أن ما لا زوال له من الماء أنه صيد بحر، وفيما لا زوال له من البر أنه صيد بر، واختلف فيما يكون في أحدهما وقد يعيش ويحيا في الآخر فقال مالك رحمه الله وأبو مجلز وعطاء وسعيد بن جبير وغيرهم كل ما يعيش في البر وله فيه حياة فهو من صيد البر إن قتله المحرم وداه‏:‏ وذكر أبو مجلز في ذلك الضفادع والسلاحف والسرطان‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ومن هذه أنواع لا زوال لها من الماء فهي لا محالة من صيد البحر، وعلى هذا خرج جواب مالك في الضفادع في المدونة، فإنه قال الضفادع من صيد البحر، وروي عن عطاء بن أبي رباح خلاف ما ذكرناه، وهو أنه راعي أكثر عيش الحيوان، سئل عن ابن الماء أصيد بر أم صيد بحر‏؟‏ فقال‏:‏ حيث يكون أكثر فهو منه، وحيث يفرخ فهو منه‏.‏ قال القاضي أبو محمد‏:‏ والصواب في ابن ماء أنه صيد بر طائر يرعى ويأكل الحب وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏واتقوا الله‏}‏ تشديد وتنبيه عقب هذا التحليل والتحريم‏.‏

ثم ذكر تعالى بأمر الحشر والقيامة مبالغة في التحذير، ولما بان في هذه الآيات تعظيم الحرم والحرمة بالإحرام من أجل الكعبة وأنها بيت الله وعنصر هذه الفضائل، ذكر تعالى في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏جعل الله‏}‏ الآية ما سنه في الناس وهداهم إليه وحمل عليه الجاهلية الجهلاء من التزامهم أن الكعبة قوام و«الهدي» قوام و«القلائد» قوام أي أمر يقوم للناس بالتأمين وحل الحرب كما يفعل الملوك الذين هم قوام العالم، فلما كانت تلك الأمة لا ملك لها جعل الله هذه الأشياء كالملك لها، وأعلم تعالى أن التزام الناس لذلك هو مما شرعه وارتضاه، ويدل على مقدار هذه الأمور في نفوسهم أن النبي عليه السلام لما بعثت إليه قريش زمن الحديبية الحليس، فرآه النبي، قال‏:‏ هذا رجل يعظم الحرمة فالقوه بالبدن مشعرة، فلما رآها الحليس عظم ذلك عليه، وقال‏:‏ ما ينبغي أن يصد هؤلاء ورجع عن رسالتهم، وجعل في هذه الآية بمعنى صير، والكعبة بيت مكة، وسمي كعبة لتربيعه، قال أهل اللغة كل بيت مربع فهو مكعب وكعبة، ومنه قول الأسود بن يعفر‏:‏

أهل الخورنق والسدير وبارق *** والبيت ذي الكعبات من سنداد

قالوا‏:‏ كانت فيه بيوت مربعة وفي كتاب سير ابن إسحاق أنه كان في خثعم بيت يسمونه كعبة اليمانية، وقال قوم‏:‏ سميت كعبة لنتوئها ونشوزها على الأرض، ومنه كعب ثدي الجارية، ومنه كعب القدم ومنه كعوب القناة، و‏{‏قياماً‏}‏ معناه أمر يقوم للناس بالأمنة والمنافع كما الملك قوام الرعية وقيامهم، يقال ذلك بالياء كالصيام ونحوه وذلك لخفة الياء فتستعمل أشياء من ذوات الواو بها، وقد يستعمل القوام على الأصل، قال الراجز‏:‏

قوام دنيا وقوام دين *** وذهب بعض المتأولين إلى أن معنى قوله تعالى ‏{‏قياماً للناس‏}‏ أي موضع وجوب قيام بالمناسك والتعبدات وضبط النفوس في الشهر الحرام، ومع الهدي والقلائد، وقرأ ابن عامر وحده «قيماً» دون ألف، وهذا إما على أنه مصدر كالشبع ونحوه، وأعلّ فلم يجر مجرى عوض وحول من حيث أعلّ فعله، وقد تعل الجموع لاعتلال الآحاد، فأحرى أن تعلّ المصادر لاعتلال أفعالها، ويحتمل «قيماً» أن تحذف الألف وهي مرادة، وحكم هذا أن يجيء في شعر وغير سعة، وقرأ الجحدري «قيِّماً» بفتح القاف وشد الياء المكسورة ‏{‏والشهر‏}‏ هنا اسم جنس والمراد الأشهر الثلاثة بإجماع من العرب، وشهر مضر وهو رجب الأصم، سمي بذلك لأنه كان لا يسمع فيه صوت الحديد، وسموه منصل الأسنة لأنهم كانوا ينزعون فيه أسنة الرماح، وهو شهر قريش، وله يقول عوف بن الأحوص‏:‏

وشهر بني أمية والهدايا *** إذا سيقت مدرجها الدماء

وسماه النبي عليه السلام شهر الله أي شهر آل الله، وكان يقال لأهل الحرم آل الله، ويحتمل أن يسمى شهر الله لأن الله سنه وشدده إذ كان كثير من العرب لا يراه، وأما ‏{‏الهدي‏}‏ فكان أماناً لمن يسوقه لأنه يعلم أنه في عبادة لم يأت لحرب وأما ‏{‏القلائد‏}‏ فكذلك كان الرجل إذا خرج يريد الحج تقلد من لحاء السمر أو غيره شيئاً فكان ذلك أماناً له، وكان الأمر في نفوسهم عظيماً مكنه الله حتى كانوا لا يقدم من ليس بمحرم أن يتقلد شيئاً خوفاً من الله، وكذلك إذا انصرفوا تقلدوا من شجر الحرم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏للناس‏}‏ لفظ عام، وقال بعض المفسرين أراد العرب‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ولا وجه لهذا التخصيص، وقال سعيد بن جبير جعل الله هذه الأمور للناس وهم لا يرجون جنة ولا يخافون ناراً، ثم شدد ذلك بالإسلام، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏ إشارة إلى أن جعل هذه الأمور قياماً، والمعنى فعل ذلك لتعلموا أن الله تعالى يعلم تفاصيل أمور السماوات والأرض ويعلم مصالحكم أيها الناس قبل وبعد، فانظروا لطفه بالعباد على حال كفرهم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏بكل شيء عليم‏}‏ عام عموماً تاماً في الجزئيات ودقائق الموجودات، كما قال عز وجل ‏{‏وما تسقط من ورقة إلا يعلمها‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 59‏]‏، والقول بغير هذا إلحاد في الدين وكفر، ثم خوف تعالى عباده، ورجاهم بقوله ‏{‏اعلموا أن الله‏}‏ الآية، وهكذا هو الأمر في نفسه حري أن يكون العبد خائفاً عاملاً بحسب الخوف متقياً متأنساً بحسب الرجاء‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏99- 102‏]‏

‏{‏مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ ‏(‏99‏)‏ قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ‏(‏100‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآَنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ‏(‏101‏)‏ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ ‏(‏102‏)‏‏}‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما على الرسول إلا البلاغ‏}‏ إخبار للمؤمنين فلا يتصور أن يقال هي آية موادعة منسوخة بآيات القتال، بل هذه حال من آمن وشهد شهادة الحق‏.‏ فإنه إذ قد عصم من الرسول ماله ودمه، فليس على الرسول في جهته أكثر من التبليغ والله تعالى بعد ذلك يعلم ما ينطوي عليه صدره، وهو المجازي بحسب ذلك ثواباً وعقاباً، و‏{‏البلاغ‏}‏ مصدر من بلغ يبلغ، والآية معناها الوعيد للمؤمنين إن انحرفوا ولم يمتثلوا ما بلغ إليهم وقوله ‏{‏هل يستوي‏}‏ الآية لفظ عام في جميع الأمور يتصور في المكاسب وعدد الناس والمعارف من العلوم ونحوها، ف ‏{‏الخبيث‏}‏ من هذا كله لا يفلح ولا ينجب ولا تحسن له عاقبة، ‏{‏والطيب‏}‏ ولو قل نافع جميل العاقبة وينظر إلى هذه الآية قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكداً‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 58‏]‏ والخبث هو الفساد الباطن في الأشياء حتى يظن بها الصلاح والطيب وهي بخلاف ذلك، وهكذا هو الخبث في الإنسان، وقد يراد بلفظة خبيث في الإنسان فساد نسبه، فهذا لفظ يلزم قائله على هذا القصد الحد، وقوله تعالى ‏{‏فاتقوا الله يا أولي الألباب‏}‏ تنبيه على لزوم الطيب في المعتقد والعمل، وخص ‏{‏أولي الألباب‏}‏ بالذكر لأنهم المتقدمون في ميز هذه الأمور والذي لا ينبغي لهم إهمالها مع البهائم وإدراكهم الإشارة بهذه ‏{‏الألباب‏}‏ إلى لب التجربة الذي يزيد على لب التكليف بالحنكة والفطنة المستنبطة والنظر البعيد‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء‏}‏ الآية، اختلف الرواة في سببها فقالت فرقة منهم أنس بن مالك وغيره‏:‏ نزلت بسبب سؤال عبد الله بن حذافة السهمي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صعد المنبر مغضباً، فقال‏:‏ لا تسألوني اليوم عن شيء إلا أخبرتكم به، فقام رجل فقال أين أنا‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ في النار فقام عبد الله بن حذافة السهمي وكان يطعن في نسبه، فقال من أبي‏؟‏ فقال‏:‏ أبوك حذافة‏.‏

قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه‏:‏ وفي الحديث مما لم يذكر الطبري فقام آخر فقال من أبي‏؟‏ فقال أبوك سالم مولى أبي شيبة، فقام عمر بن الخطاب فجثا على ركبتيه وقال رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً ومحمد نبياً نعوذ بالله من الفتن، وبكى الناس من غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونزلت هذه الآية بسبب هذه الاسئلة‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وصعود رسول الله صلى الله عليه وسلم المنبر مغضباً إنما كان بسبب سؤالات الاعراب والجهال والمنافقين، فكان منهم من يقول أين ناقتي‏؟‏ وآخر يقول ما الذي ألقى في سفري هذا‏؟‏ ونحو هذا مما هو جهالة أو استخفاف وتعنيت، وقال علي بن أبي طالب وأبو هريرة وأبو أمامة الباهلي وابن عباس، في لفظهم اختلاف، والمعنى واحد، خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فقال‏:‏ أيها الناس كتب عليكم الحج وقرأ عليهم

‏{‏ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً‏}‏ ‏[‏آل عمران‏:‏ 97‏]‏ قال علي‏:‏ فقالوا يا رسول الله‏:‏ أفي كل عام‏؟‏ فسكت، فأعادوا، قال‏:‏ لا ولو قلت نعم، لوجبت، وقال أبو هريرة‏:‏ فقال عكاشة بن محصن وقال مرة فقال محصن الأسدي، وقال غيره فقام رجل من بني أسد، وقال بعضهم فقام أعرابي فقال يا رسول الله، أفي كل عام‏؟‏ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال‏:‏ من السائل‏؟‏ فقيل فلان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت لم تطيقوه، ولو تركتموه، لهلكتم» فنزلت هذه الآية بسبب ذلك، ويقوى هذا حديث سعد بن أبي وقاص أن النبي عليه السلام قال‏:‏ «إن أعظم المسلمين على المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته» وروي عن ابن عباس أنه قال‏:‏ نزلت الآية بسبب قوم سألوا عن البحيرة والسائبة والوصيلة ونحو هذا من أحكام الجاهلية، وقاله سعيد بن جبير‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وروي أنه لما بين الله تعالى في هذه الآيات أمر الكعبة والهدي والقلائد، وأعلم أن حرمتها هو الذي جعلها إذ هي أمور نافعة قديمة من لدن عهد إبراهيم عليه السلام، ذهب ناس من العرب إلى السؤال عن سائر أحكام الجاهلية ليروا هل تلحق بتلك أم لا، إذ كانوا قد اعتقدوا الجميع سنة لا يفرقون بين ما هو من عند الله وما هو من تلقاء الشيطان والمغيرين لدين إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام كعمرو بن لحي وغيره، وفي عمرو بن لحي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، رأيته يجر قصبه في النار وكان أول من سيب السوائب‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ والظاهر من الروايات أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألحت عليه الأعراب والجهال بأنواع من السؤالات حسبما ذكرناه، فزجر الله تعالى عن ذلك بهذه الآية و‏{‏أشياء‏}‏ اسم جمع لشيء أصله عند الخليل وسيبويه شيئاً مثل فعال قلبت إلى الفعل لثقل اجتماع الهمزتين، وقال أبو حاتم ‏{‏أشياء‏}‏ وزنها أفعال وهو جمع شيء وترك الصرف فيه سماع، وقال الكسائي‏:‏ لم ينصرف ‏{‏أشياء‏}‏ لشبه آخرها بآخر حمراء، ولكثرة استعمالها، والعرب تقول أشياوات كما تقول حمراوات، ويلزم على هذا أن لا ينصرف أسماء لأنهم يقولون أسماوات، وقال الأخفش‏:‏ ‏{‏أشياء‏}‏ أصلها أشياء على وزن أفعلاء، اسثقلت اجتماع الهمزتين فأبدلت الأولى ياء لانكسار ما قبلها ثم حذفت الياء استخفافاً، ويلزم على هذا أن يكون واحد الأشياء شيئاً مثل هين وأهوناء، وقرأ جمهور الناس «إن تُبدَ» بضم التاء وفتح الدال وبناء الفعل للمفعول، وقرأ مجاهد «إن تَبدُ» بفتح التاء وضم الدال على بناء الفعل للفاعل، وقرأ الشعبي «إن يبد لكم» بالياء من أسفل مفتوحة والدال مضمومة «يسؤكم» بالياء من أسفل، أي يبده الله لكم‏.‏

وقوله تعالى ‏{‏وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم‏}‏ قال ابن عباس‏:‏ معناه لا تسألوا عن أشياء في ضمن الإخبار عنها مساءة لكم إما لتكليف شرعي يلزمكم وإما لخبر يسوء، كما قيل للذي قال أين أنا‏؟‏ ولكن إذا نزل القرآن بشيء وابتدأكم ربكم بأمر فحينئذٍ إن سألتم عن تفصيله وبيانه بين لكم وأبدى‏؟‏‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ فالضمير في قوله ‏{‏عنها‏}‏ عائد على نوعها لا على الأولى التي نهى عن السؤال عنها، وقال أبو ثعلبة الخشني رضي الله عنه‏:‏ إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحد حدوداً فلا تعتدوها وعفا من غير نسيان عن أشياء فلا تبحثوا عنها، وكان عبيد بن عمير يقول‏:‏ إن الله أحل وحرم فما أحل فاستحلوا وما حرم فاجتنبوا وترك بين ذلك أشياء لم يحلها ولم يحرمها، فذلك عفو من الله عفاه، ثم يتلو هذه الآية‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ويحتمل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم‏}‏ أن يكون في معنى الوعيد كأنه قال لا تسألوا وإن سألتم لقيتم عبء ذلك وصعوبته لأنكم تكلفون وتستعجلون علم ما يسوءكم كالذي قيل له إنه في النار، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏عفا الله عنها‏}‏ تركها ولم يعرف بها، وهذه اللفظة التي هي ‏{‏عفا‏}‏، تؤيد أن الأشياء التي هي في تكليفات الشرع، وينظر إلى ذلك قول النبي عليه السلام إن الله قد عفا لكم عن صدقة الخيل، و‏{‏غفور حليم‏}‏ صفتان تناسب العفو وترك المباحثة والسماحة في الأمور‏.‏

وقرأ عامة الناس «قد سَألها» بفتح السين، وقرأ إبراهيم النخعي «قد سِألها» بكسر السين، والمراد بهذه القراءة الإمالة، وذلك على لغة من قالت سلت تسأل، وحكي عن العرب هما يتساولان، فهذا يعطي هذه اللغة هي من الواو لا من الهمزة فالإمالة إنما أريدت وساغ ذلك لانكسار ما قبل اللام في سلت كما جاءت الإمالة في خاف لمجيء الكسرة في خاء خفت، ومعنى الآية أن هذه السؤالات التي هي تعنيتات وطلب شطط واقتراحات ومباحثات قد سألتها قبلكم الأمم ثم كفروا بها قال الطبري كقوم صالح في سؤالهم الناقة وكبني إسرائيل في سؤالهم المائدة‏.‏ قال السدي‏:‏ كسؤال قريش أن يجعل الله له لهم الصفا ذهباً‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وإنما يتجه في قريش مثالاً سؤالهم آية، فلما شق لهم القمر كفروا، وهذا المعنى إنما يقال لمن سأل النبي عليه السلام أين ناقتي‏؟‏ وكما قال له الأعرابي ما في بطن ناقتي هذه‏؟‏ فأما من سأله عن الحج أفي كل عام هو‏؟‏ فلا يفسر قوله قد سألها قوم الآية بهذه الأمثلة بل بأن الأمم قديماً طلبت التعمق في الدين من أنبيائها ثم لم تف لما كلفت‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏103- 105‏]‏

‏{‏مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ‏(‏103‏)‏ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ‏(‏104‏)‏ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏105‏)‏‏}‏

لما سأل قوم عن هذه الأحكام التي كانت في الجاهلية هل تلحق بحكم الله في تعظيم الكعبة والحرم‏.‏ أخبر تعالى في هذه الآية أنه لم يجعل شيئاً منها ولا سنه لعباده‏.‏ المعنى ولكن الكفار فعلوا ذلك إذ أكابرهم ورؤساؤهم كعمرو بن لحي وغيره يفترون على الله الكذب ويقولون هذه قربة إلى الله وأمر يرضيها ‏{‏وأكثرهم‏}‏ يعني الأتباع ‏{‏لا يعقلون‏}‏ بل يتبعون هذه الأمور تقليداً وضلالاً بغير حجة و‏{‏جعل‏}‏ في هذه الآية لا يتجه أن تكون بمعنى خلق الله‏.‏ لأن الله تعالى خلق هذه الأشياء كلها‏.‏ ولا هي بمعنى صير لعدم المفعول الثاني، وإنما هي بمعنى ما سنَّ ولا شرع فتعدت تعدي هذه التي بمعناه إلى مفعول واحد و«البحيرة» فعلية بمعنى مفعولة‏.‏ وبحر شق كانوا إذا انتجت الناقة عشرة بطون شقوا أذنها بنصفين طولاً فهي مبحورة وتركت ترعى وترد الماء ولا ينتفع منها بشيء ويحرم لحمها إذا ماتت على النساء ويحل للرجال، وقال ابن عباس كانوا يفعلون ذلك بها أنتجت خمسة بطون، وقال مسروق إذا ولدت خمساً أو سبعاً شقوا أذنها‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ويظهر مما يروى في هذا أن العرب كانت تختلف في المبلغ الذي تبحر عنده آذان النوق، فلكل سنة، وهي كلها ضلال، قال ابن سيده ويقال «البحيرة» هي التي خليت بلا راع، ويقال للناقة الغزيرة بحيرة‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ أرى أن البحيرة تصلح وتسمن ويغزر لبنها فتشبه الغزيرات بالبحر، وعلى هذا يجيء قول ابن مقبل‏:‏

فيه من الأخرج المرتاع قرقرة *** هدر الزيامي وسط الهجمة البحر

فإنما يريد النوق العظام وإن لم تكن مشققة الآذان‏.‏ وروى الشعبي عن أبي الأحوص عن أبيه قال دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فقال لي أرأيت إبلك ألست تنتجها مسلمة آذانها، فتأخذ الموسى فتقطع آذانها، فتقول هذه بحر، وتقطع جلودها فتقول هذه صوم فتحرمها عليك وعلى أهلك‏؟‏ قال نعم قال‏:‏ فإن ما آتاك الله لك حل‏.‏ وساعد الله أشد، وموسى الله أحد، والسائبة هي الناقة التي تسيب للآلهة، والناقة أيضاً إذا تابعت اثنتي عشرة إناثاً ليس فيهن ذكر سيبت، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأكثم بن الجون الخزاعي‏:‏ «يا أكثم رأيت عمرو بن لحي بن قمعة بن خندف يجر قصبه في النار فما رأيت أشبه به منك، قال أكثم‏:‏ أيضرني شبهه يا رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ لا إنك مؤمن وإنه كافر»، هو أول من غير دين إسماعيل عليه اسلام ونصب الأوثان وسيب السوائب، وكانت السوائب أيضاً في العرب كالقربة عند المريض يبرأ منه، والقدوم من السفر، وإذا نزل بأحدهم أمر يشكر الله عليه تقرب بأن يسيب ناقة فلا ينتفع منها بلبن ولا ظهر ولا غيره، يرون ذلك كعتق بني آدم، ذكره السدي وغيره وكانت العرب تعتقد أن من عرض لهذه النوق فأخذها أو انتفع منها بشيء فإنه تلحقه عقوبة من الله، و«الوصيلة» قال أكثر الناس‏:‏

إن «الوصيلة» في الغنم قالوا إذا ولدت الشاة ثلاثة بطون أو خمسة فإن كان آخرها جذياً ذبحوه لبيت الآلهة وإن كانت عناقاً استحيوها وإن كان جذي وعناق استحيوهما وقالوا هذه العناق وصلت أخاها فمنعته من أن يذبح، وعلى أن الوصيلة في الغنم جاءت الروايات عن أكثر الناس وروي عن سعيد بن المسيب أن الوصيلة من الإبل كانت الناقة إذا ابتكرت بأنثى ثم ثنت بأخرى قالوا وصلت أنثيين، فكانوا يجدعونها لطواغيتهم أو يذبحونها‏.‏

شك الطبري في إحدى اللفظين‏.‏ وأما «الحامي» فإنه الفحل من الإبل إذا ضرب في الإبل عشرين وقيل إذا ولد من صلبه عشر وقيل إذا ولد ولده قالوا حمي ظهره فسيبوه لم يركب ولا سخر في شيء، وقال علقمة لمن سأله في هذه الأشياء ما تريد إلى شيء كان من عمل أهل الجاهلية وقد ذهب‏؟‏ وقال نحوه ابن زيد‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وجملة ما يظهر من هذه الأمور أن الله تعالى قد جعل هذه الأنعام رفقاً لعباده ونعمة عددها عليهم ومنفعة بالغة، فكان أهل الجاهلية يقطعون طريق الانتفاع ويذهبون نعمة الله فيها ويزيلون المصلحة التي للعباد في تلك الإبل، وبهذا فارقت هذه الأمور الأحباس والأوقاف، فإن المالك الذي له أن يهب ويتصدق له أن يصرف المنفعة في أي طريق من البر، ولم يسد الطريق إليها جملة كما فعل بالبحيرة والسائبة، وقال أبو حنيفة وأصحابه‏:‏ لا تجوز الأحباس والأوقاف وقاسوا على البحيرة والسائبة، والفرق بين، ولو عمد رجل إلى ضيعة له فقال هذه تكون حبساً لا يجتنى ثمرها ولا يزرع أرضها ولا ينتفع منها بنفع لجاز أن يشبه هذا بالبحيرة والسائبة، وأما الحبس البين طريقه واستمرار الانتفاع به فليس من هذا، وحسبك بأن النبي عليه السلام قال لعمر بن الخطاب في مال له‏:‏ اجعله حبساً لا يباع أصله، وحبس أصحاب النبي عليه السلام وقوله تعالى ‏{‏ولكن الذين كفروا‏}‏ الآية، وقد تقدم أن المفترين هم المبتدعون، وأن الذين ‏{‏لا يعقلون‏}‏ هم الأتباع، وكذلك نص الشعبي وغيره وهو الذي تعطيه الآية، وقال محمد بن أبي موسى‏:‏ الذين كفروا وافتروا هم أهل الكتاب، والذين ‏{‏لا يعقلون‏}‏ هم أهل الأوثان‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا تفسير من انتزع ألفاظ آخر الآية عما تقدمها وارتبط بها من المعنى وعما تأخر أيضاً من قوله ‏{‏وإذا قيل لهم‏}‏ والأول من التأويلين أرجح‏.‏

والضمير في قوله ‏{‏قيل لهم‏}‏ عائد على الكفار المستنين بهذه الأشياء و‏{‏تعالوا‏}‏ نداء بين، هذا أصله، ثم استعمل حيث البر وحيث ضده، و‏{‏إلى ما أنزل الله‏}‏ يعني القرآن الذي فيه التحريم الصحيح و‏{‏حسبنا‏}‏ معناه كفانا وقوله ‏{‏أوَلوْ كان آباؤهم‏}‏ ألف التوقيف دخلت على واو العطف كأنهم عطفوا بهذه الجملة على الأولى والتزموا شنيع القول فإنما التوقيف توبيخ لهم، كأنهم يقولون بعده نعم ولو كانوا كذلك‏.‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم‏}‏ اختلف الناس في تأويل هذه الآية، فقال أبو أمية الشعباني سألت أبا ثعلبة الخشني عن هذه الآيةا فقال لقد سألت عنها خبيراً‏.‏ سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال، ائتمروا بالمعروف وانهوا عن المنكر، فإذا رأيت دنيا مؤثرة رشحاً مطاعاً وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخويصة نفسك، وذر عوامهم فإن وراءكم أياماً أجر العامل فيها كأجر خمسين منك‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا التأويل الذي لا نظر لأحد معه لأنه مستوف للصلاح صادر عن النبي عليه السلام، ويظهر من كلام أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه بلغه أن بعض الناس تأول الآية أنها لا يلزم معها أمر بمعروف ونهي عن منكر، فصعد المنبر فقال أيها الناس لا تغتروا بقول الله ‏{‏عليكم أنفسكم‏}‏ فيقول أحدكم عليَّ نفسي، والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليستعملن عليكم شراركم فليسومنّكم سوء العذاب، وروي عن ابن مسعود أنه قال‏:‏ ليس هذا بزمان هذه الآية، قولو الحق ما قبل منكم، فإذا رد عليكم فعليكم أنفسكم، وقيل لابن عمر في بعض أوقات الفتن‏:‏ لو تركت القول في هذه الأيام فلم تأمر ولم تنه‏؟‏ فقال‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لنا‏:‏ ليبلغ الشاهد الغائب، ونحن شهدنا فيلزمنا أن نبلغكم، وسيأتي زمان إذا قيل فيه الحق لم يقبل‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وجملة ما عليه أهل العلم في هذا أن الأمر بالمعروف متعين متى رجي القبول أو رجي رد المظالم ولو بعنف ما لم يخف المراء ضرراً يلحقه في خاصيته أو فتنة يدخلها على المسلمين إما بشق عصا وإما بضرر يلحق طائفة من الناس فإذا خيف هذا فعليكم أنفسكم محكم واجب أن يوقف عنده، وقال سعيد بن جبير معنى هذه الآية ‏{‏يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم‏}‏ فالتزموا شرعكم بما فيه من جهاد وأمر بمعروف وغيره، ولا يضركم ضلال أهل الكتاب إذا اهتديتما وقال ابن زيد‏:‏ معنى الآية‏:‏ يا أيها الذين آمنوا من أبناء أولئك الذين بحروا البحيرة وسيبوا السوائب عليكم أنفسكم في الاستقامة على الدين ولا يضركم ضلال الأسلاف إذا اهتديتم، قال‏:‏ وكان الرجل إذا أسلم قال له الكفار سفهت أباءك وضللتهم وفعلت وفعلت فنزلت الآية بسبب ذلك‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ولم يقل أحد فيما علمت أنها آية موادعة للكفار وكذلك ينبغي أن لا يعارض أنها شيء مما أمر الله به في غير ما آية من القيام بالقسط والأمر بالمعروف، قال المهدوي‏:‏ وقد قيل هي منسوخة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا ضعيف ولا يعلم قائله، وقال بعض الناس نزلت بسبب ارتداد بعض المؤمنين وافتتانهم كابن أبي سرح وغيره، فقيل للمؤمنين لا يضركم ضلالهم، وقرأ جمهور الناس «لا يضُرُّكم» بضم الضاد وشد الراء المضمومة، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «لا يضُرْكم» بضم الضاد وسكون الراء، وقرأ إبراهيم «لا يضِرك» بكسر الضاد وهي كلها لغات بمعنى ضر يضر وضار يضور وضير، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إلى الله مرجعكم جميعاً‏}‏ الآية، تذكير بالحشر وما بعده، وذلك مسل عن أمور الدنيا ومكروهها ومحبوبها، وروي عن بعض الصالحين أنه قال‏:‏ ما من يوم إلا يجيء الشيطان فيقول‏:‏ ما تأكل وما تلبس وأين تسكن‏؟‏ فأقول له آكل الموت وألبس الكفن وأسكن القبر‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ فمن فكر في مرجعه إلى الله تعالى فهذه حاله‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏106- 107‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آَخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآَثِمِينَ ‏(‏106‏)‏ فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآَخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ ‏(‏107‏)‏‏}‏

قال مكي بن أبي طالب رضي الله عنه‏:‏ هذه الآيات عند أهل المعاني من أشكل ما في القرآن إعراباً ومعنى وحكماً‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا كلام من لم يقع له الثلج في تفسيرها، وذلك بين من كتابه رحمه الله وبه نستعين، لا نعلم خلافاً أن سبب هذه الآية أن تميماً الداري وعدي بن بداء، كانا نصرانيين سافرا إلى المدينة يريدان الشام لتجارتهما، قال الواقدي‏:‏ وهما أخوان وقدم المدينة أيضاً ابن أبي مارية مولى عمرو بن العاص يريد الشام تاجراً فخرجوا رفاقة فمرض ابن أبي مارية في الطريق، قال الواقدي فكتب وصية بيده ودسها في متاعه وأوصى إلى تميم وعدي أن يؤديا رحله، فأتيا بعد مدة المدينة برحله فدفعاه، ووجد أولياؤه من بني سهم وصيته مكتوبة، ففقدوا أشياء قد كتبها فسألوهما عنها فقالا ما ندري، هذا الذي قبضناه له، فرفعوهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنزلت الآية الأولى فاستخلفهما رسول الله بعد العصر، فبقي الأمر مدة ثم عثر بمكة من متاعه على إناء عظيم من فضة مخوص بالذهب، فقيل لمن وجد عنده من أين صار لكم هذا الإناء‏؟‏ قالوا‏:‏ ابتعناه من تميم الداري وعدي بن بداء، فارتفع في الأمر إلى النبي عليه السلام فنزلت الآية الأخرى، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلين من أولياء الميت أن يحلفا، قال الواقدي‏:‏ فحلف عبد الله بن عمرو بن العاص والمطلب بن أبي وداعة، واستحقا، وروى ابن عباس عن تميم الداري أنه قال‏:‏ برئ الناس من هذه الآيات غيري وغير عدي بن بداء، وذكر القصة، إلا أنه قال وكان معه جام فضة يريد به الملك، فأخذته أنا وعدي فبعناه بألف وقسمنا ثمنه، فلما أسلمت بعد قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر وأديت إليهم خمسمائة، فوثبوا إلى عدي فأتوا به رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلف عمرو بن العاص ورجل آخر معه، ونزعت من عدي خمسمائة‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ تختلف ألفاظ هذه القصة في الدواوين وما ذكرته هو عمود الأمر، ولم يصح لعدي صحبة فيما علمت ولا ثبت إسلامه، وقد صنفه في الصحابة بعض المتأخرين، وضعف أمره، ولا وجه عندي لذكره في الصحابة‏.‏

وأما معنى الآية من أولها إلى آخرها، فهو أن الله تعالى أخبر المؤمنين أن حكمه في الشهادة على الموصي إذا حضره الموت أن تكون شهادة عدلين فإن كان في سفر وهو الضرب في الأرض ولم يكن معه من المؤمنين أحد ليشهد شاهدين ممن حضره من أهل الكفر، فإذا قدما وأديا الشهادة على وصيته حلفا بعد الصلاة أنهما ما كذبا ولا بدلا وأن ما شهدا به حق ما كتما فيه شهادة الله، وحكم بشهادتهما، فإن عثر بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا ونحو هذا مما هو إثم، حلف رجلان من أولياء الموصي في السفر وغرم الشاهدان ما ظهر عليهما، هذا معنى الآية على مذهب أبي موسى الأشعري وسعيد بن المسيب ويحيى بن يعمر وسعيد بن جبير وأبي مجلز وإبراهيم وشريح وعبيدة السلماني وابن سيرين ومجاهد وابن عباس وغيرهم، يقولون معنى قوله، ‏{‏منكم‏}‏ من المؤمنين، ومعنى، ‏{‏من غيركم‏}‏ من الكفار، قال بعضهم ذلك أن الآية نزلت ولا مؤمن إلا بالمدينة وكانوا يسافرون في التجارة صحبة أهل الكتاب وعبدة الأوثان وأنواع الكفرة، واختلفت هذه الجماعة المذكورة، فمذهب أبي موسى الأشعري وشريح وغيرهما أن الآية محكمة، وأسند الطبري إلى الشعبي أن رجلاً حضرته المنية بدقوقا ولم يجد أحداً من المؤمنين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب فقدما الكوفة فأتيا أبا موسى الأشعري فأخبراه وقدما بتركته، فقال أبو موسى الأشعري هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في مدة النبي عليه السلام ثم أحلفهما بعد صلاة العصر وأمضى شهادتهما، وأسند الطبري عن شريح أنه كان لا يجيز شهادة النصراني واليهودي على مسلم إلا في الوصية، ولا تجوز أيضاً في الوصية إلا إذا كانوا في سفر، ومذهب جماعة ممن ذكر، أنها منسوخة بقوله تعالى

‏{‏وأشهدوا ذوي عدل منكم‏}‏ ‏[‏الطلاق‏:‏ 2‏]‏ وبما استند إليه إجماع جمهور الناس على أن شهادة الكافر لا تجوز‏.‏

وتأول الآية جماعة من أهل العلم على غير هذا كله، قال الحسن بن أبي الحسن وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏منكم‏}‏ يريد من عشيرتكم وقرابتكم، وقوله ‏{‏أو آخران من غيركم‏}‏ يريد من غير القرابة والعشيرة، وقال بهذا عكرمة مولى ابن عباس وابن شهاب، قالوا أمر الله بإشهاد عدلين من القرابة إذ هم ألحن بحال الوصية وأدرى بصورة العدل فيها، فإن كان الأمر في سفر ولم تحضر قرابة أشهد أجنبيان، فإذا شهدا فإن لم يقر ارتياب مضت الشهادة، وإن ارتيب أنهما مالا بالوصية إلى أحد أو زادا أو نقصا حلفا بعد صلاة العصر ومضت شهادتهما، فإن عثر بعد ذلك على تبديل منهما واستحقاق إثم حلف وليان من القرابة وبطلت شهادة الأولين‏.‏

وقال بعض الناس الآية منسوخة، ولا يحلف شاهد، ويذكر هذا عن مالك بن أنس والشافعي وكافة الفقهاء، وذكر الطبري رحمه الله أن هذا التحالف الذي في الآية إنما هو بحسب التداعي، وذلك أن الشاهدين الأولين إنما يحلفان إن ارتيب فقد ترتبت عليهما دعوى فلتزمهما اليمين، لكن هذا الارتياب إنما يكون في خيانة منهما، فإن عثر بعد ذلك على أنهما استحقا إثماً نظر، فإن كان الأمر بيناً غرما دون يمين وليين، وإن كان بشاهد واحد أو بدلا بل تقتضي خيانتهما أو ما أشبه ذلك مما هو كالشاهد حمل على الظالم وحلف المدعيان مع قام لهما من شاهد أو دليل‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ فهذا هو الاختلاف في معنى الآية وصورة حكمهما، ولنرجع الآن إلى الإعراب والكلام على لفظة لفظة من الآية، ولنقصد القول المفيد لأن الناس خلطوا في تفسير هذه الآية تخليطاً شديداً، وذكر ذلك والرد عليه يطول، وفي تبيين الحق الذي تتلقاه الأذهان بالقبول مقنع، والله المستعان، قوله ‏{‏شهادة بينكم‏}‏ قال قوم الشهادة هنا بمعنى الحضور، وقال الطبري‏:‏ الشهادة بمعنى اليمين وليست بالتي تؤدى‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وهذا كله ضعيف، والصواب أنها الشهادة التي تحفظ لتؤدى، ورفعهما بالابتداء والخبر في قوله ‏{‏اثنان‏}‏ قال أبو علي‏:‏ التقدير شهادة بينكم في وصاياكم شهادة اثنين، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، وقدره غيره أولاً كأنه قال مقيم شهادة بينكم اثنان، وأضيفت الشهادة إلى «بين» اتساعاً في الظرف بأن يعامل معاملة الأسماء، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لقد تقطع بينكم‏}‏ ‏[‏الأنعام‏:‏ 94‏]‏ وقرأ الأعرج والشعبي والحسن «شهادةٌ» بالتنوين «بينكَم» بالنصب، وإعراب هذه القراءة على نحو إعراب قراءة السبعة وروي عن الأعرج وأبي حيوة «شهادة» بالنصب والتنوين «بينكم» نصب، قال أبو الفتح‏:‏ التقدير ليقم شهادة بينكم اثنان، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إذا حضر أحدكم الموت‏}‏ معناه إذا قرب الحضور وإلا فإذا حضر الموت لم يشهد ميت وهذا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله‏}‏ ‏[‏النحل‏:‏ 98‏]‏ وكقوله ‏{‏إذا طلقتم النساء فطلقوهن‏}‏ ‏[‏الطلاق‏:‏ 1‏]‏ وهذا كثير، والعامل في ‏{‏إذا‏}‏ المصدر الذي هو ‏{‏شهادة‏}‏، وهذا على أن تجعل ‏{‏إذا‏}‏ بمنزلة حين لا تحتاج إلى جواب ولك أن تجعل ‏{‏إذا‏}‏ في هذه الآية المحتاجة إلى الجواب، لكن استغني عن جوابها بما تقدم في قوله ‏{‏شهادة بينكم‏}‏ إذ المعنى إذا حضر أحدكم الموت فينبغي أن يشهد، وقوله ‏{‏حين الوصية‏}‏ ظرف زمان، والعامل فيه ‏{‏حضر‏}‏، وإن شئت جعلته بدلاً من ‏{‏إذا‏}‏، قال أبو علي‏:‏

ولك أن تعلقه ‏{‏بالموت‏}‏ لا يجوز أن تعمل فيه ‏{‏شهادة‏}‏ لأنها إذا عملت في ظرف من الزمان لم تعمل في ظرف آخر منه، وقوله ‏{‏ذوا عدل‏}‏ صفة لقوله اثنان، و‏{‏منكم‏}‏ صفة أيضاً بعد صفة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏من غيركم‏}‏ صفة لآخران، و‏{‏ضربتم في الأرض‏}‏ معناه سافرتم للتجارة، تقول ضربت في الأرض أي سافرت للتجارة، وضربت الأرض ذهبت فيها لقضاء حاجة الإنسان، وهذا السفر كان الذي يمكن أن يعدم المؤمن مؤمنين، فلذلك خص بالذكر لأن سفر الجهاد لا يكاد يعدم فيه مؤمنين، قال أبو علي‏:‏ قوله ‏{‏تحبسونهما‏}‏ صفة ل ‏{‏آخران‏}‏ واعترض بين الموصوف والصفة بقوله‏:‏ إن أنتم إلى الموت، وأفاد الاعتراض أن العدول إلى ‏{‏آخران‏}‏ من غير الملة والقرابة حسب اختلاف العلماء في ذلك إنما يكون مع ضرورة السفر وحلول الموت فيه، واستغني عن جواب ‏{‏إن‏}‏ لما تقدم من قوله ‏{‏أو آخران من غيركم‏}‏ وقال جمهور العلماء ‏{‏الصلاة‏}‏ هنا صلاة العصر لأنه وقت اجتماع الناس، وقد ذكره النبي صلى الله عليه وسلم فيمن حلف على سلعته وأمر باللعان فيه، وقال ابن عباس‏:‏ إنما هي بعد صلاة الذميين، وأما العصر فلا حرمة لها عندهما، والفاء في قوله ‏{‏فيقسمان‏}‏ عاطفة جملة على جملة لأن المعنى تم في قوله ‏{‏من بعد الصلاة‏}‏ قال أبو علي‏:‏ وإن شئت لم تقدر الفاء عاطفة جملة على جملة، ولكن تجعله جزاء كقول ذي الرمة‏:‏

وإنسان عيني يحسر الماء تارة *** فيبدو وتارات يجم فيغرق

تقديره عندهم إذا حسر بدا، فكذلك إذا حبستموهما أقسما وقوله ‏{‏إن ارتبتم‏}‏ شرط لا يتوجه تحليف الشاهدين إلا به، ومتى لم يقع ارتياب ولا اختلاف فلا يمين، أما أنه يظهر من حكم أبي موسى تحليف الذميين أنه باليمين تكمل شهادتهما وتنفذ الوصية لأهلها وإن لم يرتب، وهذه الريبة عند من لا يرى الآية منسوخة ترتب فيالخيانة وفي الاتهام بالميل إلى بعض الموصى لهما دون بعض وتقع مع ذلك اليمين عنده، وأما من يرى الآية منسوخة فلا يقع تحليف إلا بأن يكون الارتياب في خيانة أو تعد بوجه من وجوه التعدي فيكون التحليف عنده بحسب الدعوى على منكر لا على أنه تكميل للشهادة، والضمير في قول الحالفين ‏{‏لا نشتري به ثمناً‏}‏ عائد على القسم، ويحتمل أن يعود على اسم الله تعالى، قال أبو علي‏:‏ يعود على تحريف الشهادة، وقوله ‏{‏لا نشتري‏}‏ جواب ما يقتضيه قوله‏:‏ فيقسمان بالله، لأن القسم ونحوه يتلقى بما تتلقى به الأيمان، وتقديره به ثمناً، أي ذا ثمن لأن الثمن لا يشترى‏.‏

وكذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏اشتروا بآيات الله ثمناً قليلاً‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 9‏]‏ معناه ذا ثمن، ولا يجوز أن يكون ‏{‏نشتري‏}‏ في هذه الآية بمعنى نبيع لأن المعنى يبطله وإن كان ذلك موجوداً في اللغة في غير هذا الموضع، وخص «ذو القربى» بالذكر لأن العرف ميل النفس إلى قرابتهم واستسهالهم في جنب نفعهم ما لا يستسهل، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا نكتم شهادة الله‏}‏ أضاف ‏{‏شهادة‏}‏ إليه تعالى من حيث هو الآمر بإقامتها الناهي عن كتمانها، وقرأ الحسن والشعبي «ولا نكتمْ» بجزم الميم، وقرأ علي بن أبي طالب ونعيم بن مسيسرة والشعبي بخلاف عنه «شهادةً» بالتنوين «الله» نصب ب ‏{‏نكتم‏}‏، كأن الكلام ولا نكتم الله شهادة قال الزهري ويحتمل أن يكون المعنى «ولا نكتم شهادة والله» ثم حذفت الواو ونصب الفعل إيجازاً، وروى يحيى بن آدم عن أبي بكر بن عياش «شهادةً» بالتنوين ألله بقطع الألف دون مد وخفض الهاء، ورويت أيضاً عن الشعبي وغيره أنه كان يقف على الهاء من الشهادة بالسكون، ثم يقطع الألف المكتوبة من غير مد كما تقدم، وروي عنه أنه كان يقرأ «الله» بمد ألف الاستفهام في الوجهين أعني بسكون الهاء من الشهادة وتحريكها منّونة منصوبة، ورويت هذه التي هي تنوين الشهادة ومد ألف الاستفهام بعد عن علي بن أبي طالب، قال أبو الفتح‏:‏ أما تسكين هاء شهادة والوقف عليها واستئناف القسم فوجه حسن لأن استئناف القسم في أول الكلام أوقر له وأشد هيبة أن يدرج في عرض القول، وقرأ أبو عبد الرحمن السلمي وعبد الله بن حبيب والحسن البصري فيما ذكر أبو عمرو الداني «شهادةً» بالنصب والتنوين «آلله» بالمد في همزة الاستفهام التي هي عوض من حرف القسم «آنا» بمد ألف الاستفهام أيضاً دخلت لتوقيف وتقرير لنفوس المقسمين أو لمن خاطبوه وقرأ ابن محيصن «لملآثمين» بالإدغام‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن عثر‏}‏ استعارة لما يوقع على علمه بعد خفائه اتفاقاً وبعد «إن» لم يرج ولم يقصد، وهذا كما يقال على الخبير سقطت، ووقعت على كذا، قال أبو علي‏:‏ والإثم هنا اسم الشيء المأخوذ لأن آخذه يأخذه إثم، فسمي آثماً كما سمي ما يؤخذ بغير حق مظلمة، قال سيبويه‏:‏ المظلمة اسم ما أخذ منك، وكذلك سمي هذا المأخوذ باسم المصدر‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ والذي يظهر هنا أن الإثم عل بابه وهو الحكم اللاحق لهما والنسبة التي يتحصلان فيها بعد مواقعتها لتحريف الشهادة أو لأخذ ما ليس لهما أو نحو ذلك، و‏{‏استحقا‏}‏ معناه استوجباه من الله وكانا أهلاً له فهذا استحقاق على بابه، أنه استيجاب حقيقة، ولو كان الإثم الشيء المأخوذ لم يقل فيه «استحقا» لأنهما ظلما وخانا فيه، فإنما استحقا منزلة السوء وحكم العصيان، وذلك هو الإثم، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فآخران‏}‏ أي فإذا عثر على فسادهما فالأوليان باليمين وإقامة القضية آخران من القوم الذين هم ولاة الميت واستحق عليهم حظهم أو ظهور أو مالهم أو ما شئت من هذه التقديرات، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو والكسائي «استُحق» مضمومة التاء‏.‏ و‏{‏الأوليان‏}‏ على التثنية لأولى وروى قرة عن ابن كثير «استَحق» بفتح التاء «الأوليان» على التثنية وكذلك ورى حفص عن عاصم، وقرأ حمزة وعاصم في رواية أبي بكر «استُحق» بضم التاء «الأولين» على جمع أول، وقرأ الحسن بن أبي الحسن «استَحق» بفتح التاء «الأولان» على تثنية أول، وقرأ ابن سيرين «الأولين» على تثنية أول، ونصبهما على تقدير الأولين، فالأولين في الرتبة والقربى، قال أبو علي في قراءة ابن كثير ومن معه لا يخلو ارتفاع الأوليان من أن يكون على الابتداء وقد أخر فكأنه في التقدير و«الأوليان» بأمر الميت آخران يقومان، أو يكون بدلاً من الضمير الذي في يقومان، أو يكون مسنداً إليه استحق، وأجاز أبو الحسن فيه شيئاً آخر، وهو أن يكون «الأوليان» صفة ل «آخران»، لأنه لما وصف خصص فوصف من أجل الاختصاص الذي صار له‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ ثم قال أبو علي بعد كلامه هذا‏:‏ فأما ما يسند إليه «استحق» فلا يخلو من أن يكون الأنصباء أو الوصية، أو الإثم‏.‏ وسمي المأخوذ إثماً كما يقال لما يؤخذ من المظلوم مظلمة‏.‏ ولذلك جاز أن يستند إليه ‏{‏استحق‏}‏ ثم قال بعد كلام‏:‏ فإن قلت هي يجوز أن يسند ‏{‏استحق‏}‏ إلى ‏{‏الأوليان‏}‏‏.‏ فالقول إن ذلك لا يجوز لأن المستحق إنما يكون الوصية أو شيئاً منها، وأما الأوليان بالميت فلا يجوز أن يستحقا فيسند استحق إليهما‏.‏

قال القاضي أبو محمد‏:‏ وفي هذا الكلام نظر‏.‏ ويجوز عندي أن يسند ‏{‏استحق‏}‏ إلى ‏{‏الأوليان‏}‏‏.‏ وذلك أن أبا علي حمل لفظة الاستحقاق على أنه حقيقي فلم يجوزه إلا حيث يصح الاستحقاق الحقيقي في النازلة، وإنما يستحق حقيقة النصيب ونحوه، ولفظة الاستحقاق في الآية إنما هي استعارة وليست بمعنى استحقا إثماً فإن الاستحقاق هنا حقيقة وفي قوله استحق مستعار، لأنه لا وجه لهذا الاستحقاق إلا الغلبة على الحال بحكم انفراد هذا الميت وعدمه لقرابته أو لأهل دينه‏.‏ فاستحق هنا كما تقول لظالم يظلمك هذا قد استحق علي مالي أو منزلي بظلمه فتشبهه بالمستحق حقيقة‏.‏ إذ قد تسور تسوره وتملك تملكه‏.‏ وكذلك يقال فلان قد استحق ومنه شغل كذا إذا كان ذلك الأمر قد غلبه على أوقاته، وهكذا هي استحق في الآية على كل حال وإن أسندت إلى الأنصباء ونحوه لأن قوله ‏{‏استحق‏}‏ صلة ل ‏{‏الذين‏}‏ و‏{‏الذين‏}‏ واقع على الصنف المناقض للشاهدين الجائرين فالشاهدان ما استحقا قط في هذه النازلة شيئاً حقيقة استحقاق، وإنما تسورا تسور المستحق فلنا أن نقدر الأوليان ابتداء وقد أخر‏.‏ فيسند ‏{‏استحق‏}‏ على هذا إلى المال أو النصيب ونحوه على جهة الاستعارة‏.‏ وكذلك إذا كان ‏{‏الأوليان‏}‏ خبر ابتداء وكذلك على البدل من الضمير في ‏{‏يقومان‏}‏ وعلى الصفة على مذهب أبي الحسن‏.‏ ولنا أن نقدر الكلام بمعنى من الجماعة التي غابت وكان حقهما والمبتغى أن يحضر وليها، فلما غابت وانفرد هذا الموصي استحقت هذا الحال وهذان الشاهدان من غير أهل الدين الولاية وأمر الأوليين على هذه الجماعة، ثم بني الفعل للمفعول على هذا المعنى إيجازاً ويقوي هذا الغرض أن تعدي الفعل ب «على» لما كان باقتدار وحمل هيئته على الحال‏.‏

ولا يقال استحق منه أو فيه إلا في الاستحقاق الحقيقي على وجهه، وأما استحق عليه فيقال في الحمل والغلبة والاستحقاق المستعار والضمير في ‏{‏عليم‏}‏ عائد على كل حال في هذه القراءة على الجماعة التي تناقض شاهدي الزور الآثمين، ويحتمل أن يعود على الصنف الذين منهم شاهد الزور على ما نبينه الآن إن شاء الله في غير هذه القراءة وأما رواية قرة عن ابن كثير «استحق» بفتح التاء فيحتمل أن يكون الأوليان ابتداء أو خبر ابتداء، ويكون المعنى في الجمع أو القبيل الذي استحق القضية على هذا الصنف الشاهد بالزور، الضمير في عليهم عائد على صنف شاهدي الزور‏.‏

قال القاضي أبو محمد رضي الله عنه‏:‏ وفي هذا التأويل تحويل وتحليق وصنعة في ‏{‏الذين‏}‏، وعليه ينبني كلام أبي علي في كتاب الحجة، ويحتمل أن يكون المعنى من الذين استحق عليهم القيام، والصواب من التأويلين أن الضمير في ‏{‏عليهم‏}‏ عائد على ‏{‏الذين‏}‏، و‏{‏الأوليان‏}‏ رفع ب ‏{‏استحق‏}‏ وذلك متخرج على ثلاثة معان‏.‏ أحدها أن يكون المراد من الذين استحق عليهم مالهم وتركتهم شاهدا الزور‏.‏ فسمى شاهدي الزور أوليين من حيث جعلتهما الحال الأولى كذلك، أي صيرهم عدم الناس أولى بهذا الميت وتركته فجاراً فيها، والمعنى الثاني أن يكون المراد من الجماعة الذين حق عليهم أن يكون منهم الأوليان، فاستحق بمعنى حق ووجب، كما تقول هذا بناء قد استحق بمعنى حق كعجب واستعجب ونحوه، والمعنى الثالث أن يجعل استحق بمعنى سعى واستوجب، فكأن الكلام فآخران من القوم الذين حضر أوليان منهم فاستحقا عليهم حقهم، أي استحقا لهم وسعيا فيه واستوجباه بأيمانهما وقرباهما، ونحو هذا المعنى الذي يعطيه التعدي ب «على» قول الشاعر‏:‏

اسعى على حيِّ بني ملك *** كل امرئ في شأنه ساع

وكذلك في الحديث‏:‏ «كنت أرعى عليهم الغنم» في بعض طرق حديث الثلاثة الذين ذكر أحدهم بره بأبويه حين انحطت عليهم الصخرة، وأما قراءة حمزة فمعناها من القوم الذين استحق عليهم أمرهم أي غلبوا عليه، ثم وصفهم بأنهم أولون أي في الذكر في هذه الآية، وذلك في قوله ‏{‏اثنان ذوا عدل منكم‏}‏ ثم بعد ذلك قال ‏{‏أو آخران من غيركم‏}‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فيقسمان بالله‏}‏ يعني الآخرين اللذين يقومان مقام شاهدي التحريف، وقولهما ‏{‏لشهادتنا أحق من شهادتهما‏}‏ أي لما أخبرنا نحن به وذكرناه من نص القضية أحق مما ذكراه أولاً، وحرفا فيه، وما اعتدينا نحن في قولنا هذا ولا زدنا علىلحد، وقولهما ‏{‏إنا إذاً لمن الظالمين‏}‏ في صيغة الاستعظام والاستقباح، والظلم وضع الشيء في غير موضعه‏.‏